من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عمرو بن كلثوم
معاذ الإله أن تنوح نساؤناعلى هالكٍ أو أن نضج من القتل
معاذ الله، من المصادر التي لا تكون إلا منصوبةً، وضعت موضعاً واحداً من الإضافة على ما ترى، ولا يتصرف. والعياذ في معناه ومن أصله، وهو يتصرف مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً، وبالألف واللام. وانتصب معاذ الإله على إضمار فعلٍ
ترك إظهاره. ويقولون: عائذاً بالله من شرها، فيجري مجرى عياذاً بالله، كأنه قال: أعوذ بالله عائذاًوعياذاً. ومن أبيات الكتاب:
ألحق عذابك بالقوم الذين طغواوعائذاً بك أن يعلو فيطغونى
ويقال: عذت بالله عوذاً ومعاذاَ وعياذاً. ويقال: أفلت منه عوذاً بفتحتين، أي عائذاً، وأتيته عوذاً. وهذا الكلام تبرؤٌ من إظهار الجزع على قتلاهم، واستعمال البكاء والضجاج في بلواهم، وتصبرٌ على نوائب الدهر، وانتفاءٌ من تكره القتل. يقول: نعوذ بالله من نوح نسائنا على متوفى منا مفقودٍ، ومن ضجيجنا من القتل والقتال، وكيف يكون أحد هذين منا وقد تعودت نساؤنا الثكل، ونشأنا في ممارسة الحرب ومزاولتها. وفي طريقته قول الآخر:
إذا ما أتتني ميتتي لم أبالهاولم تذر خالاتي الدموع وعمتي
قراع السيوف بالسيوف أحلنابأرضٍ براحٍ ذي أراكٍ وذي أثل
الأصل في البراح الأرض التي لا بناء فيها ولا عمران. والمقارعة: مضاربة القوم في الحرب. وكل شيءٍ ضربته بشيءٍ فقد قرعته. وهذا على حذف المضاف، كأنه قال قراع أصحاب السيوف بالسيوف. أخبر عن نفسه وذويه بأن صبرهم في دار الحفاظ هو الذي أنزلهم بأرضٍ واسعةٍ ذات أثلٍ وأراكٍ، وصرفهم عن الانتجاع وتطلب الخصب في المظان. وهذا صريحٌ ما قاله غيره، وهو:
أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
والأراك: شجرٌ تتخذ منه المساويك. ويقال: إيلٌ أوارك، إذا اعتادت أكلها. والأثل أيضاً: شجرٌ. وهذا كما قال الآخر:
وتحل في دار الحفاظ بيوتنازمناً ويظعن غيرنا بالأمرع
ونبه بذكر الأرض البراح على أنهم غير محتجزين بحصونٍ ولا قلاعٍ، ولا ممتنعين بهضابٍ ولا حبالٍ. والأثل والأراك ينبتان في السهل أكثر، فوكد بذكرهما المراد، وجعل البراح بدلاً من قوله " بأرضٍ " ولذلك قال " ذي أراكٍ " ولم يقل ذات.
فما أبقت الأيام ملمال عندناسوى جذم أذوادٍ محذفة النسل
أراد بالأيام الوقعات. وقوله " ملمال " أراد من المال، فجعل الحذف بدلاً من الإدغام لما التقى بالنون واللام حرفان متقابلان، الأول متحركٌ والثاني ساكنٌ سكوناً لازماً. والمعنى: ما بقي تأثير الحوادث ونكبات الأيام عندنا من أصول المال ومقتنياتها، إلا بقايا أذوادٍ قطع الضر نسلها، وتمكن الهزال وسوء الحال منها، فهي على شرف فناءٍ وذهابٍ. والجذم: الأصل. والأذواد: جمع الذود، والذود يقع على ما دون العشرة. وقال أكثر أهل اللغة: إنها تقع على الإناث دون الذكور. وبعضهم يجوز وقوعها على الذكور أيضاً. وما في البيت يشهد للأول.
ثلاثة أثلاثٍ فأثمان خيلناوأقواتنا وما نسوق إلى العقل
أراد: أموالنا ثلاثة أثلاث، فيرتفع الثلاثة على أنه خبر مبتدأ محذوف، وما بعدها تفسيرٌ لها وتفصيل. ونبه بما أورد وقسم على الوجوه التي انصرفت إليها أموالهم فأفنتها، والطرق التي توزعتها فقللتها، فقال: افترقت أموالنا فرقاً ثلاثاً ففرقةٌ منها صرفناها إلى أثمان خيلنا لأنا غزاؤون، ومعالجو حروبٍ، فلا نستغني عنها؛ إذ كان جدنا وهزلنا منها وبها. وفرقةٌ منها حبسناها على أقواتنا ومعايشنا؛ لأن العفاة والزوار كانت تنتابنا وتتناوب عليها حتى تستغرقها، لأن إقامتنا بدار الحفاظ شغلتنا عن الغزو واجتذاب الزيادة إليها. وفرقةٌ منها وجهناها إلى الديات، وأروش الجنايات التي كسبتها أيدينا، واجترحتها رماحنا، إذ كنا لعزنا ومنعتنا لا يطمع في الاقتصاص منا. ومثل هذا قول الآخر:
نأسو بأموالنا آثار أيدينا
؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع