تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني

ألا حييت عنا يا ردينانحييها وإن كرمت علينا

هذا على كلامين. و " ألا " افتتاحٌ. والتحية، قال بعضهم: هي الوداع ها هنا، يقول: ألا أبلغت وداعنا يا ردينة. ثم قال: نحييها، أي نودعها وإن عزت علينا مفارقتها. ويجوز أن يكون دعا لردينة مبتدئاً فقال: جزاك الله عنا، أي تولى الله ذلك من دوننا، ثم راجع نفسه فقال: نفعل ذلك على فخامة موقعها منا، وجلالة محلها من قلوبنا، إذا كنا لا نقدر لها على غير ذلك. وقوله " نحييها وإن كرمت " يسمى التفاتاً، كأنه التفت إلى من معه فقال ذلك.

ردينة لو رأيت غداة جئناعلى أضماتنا وقد احتوينا

توصل بمخاطبتها إلى اقتصاص الحال التي يريد شرحها، فأخذ يباثها فيقول: لو رأيتنا غداة جئنا على حزازاتٍ في النفس، واحتراقاتٍ في الجوف والصدر، من الغيظ والحقد، وقد حوينا أموال إعدائنا، واستبحنا حريمهم، وملأنا أيدينا من غنائمهم. هذا إذا رويته بالحاء غير معجمةٍ. وروى بعضهم: " اختوينا " بالخاء المعجمة، ويكون افتعل من الخوى والمعنى: خوت أفئتدتنا من الود، كقول الآخر:

وإذ صفرت عياب الود منكمولم يك بيننا فيها ذمام

وأجود منها " وقد اجتوينا " بالجيم، وهو افتعل من الجوى، كأنه يريد ما اشتمل الجوانح عليه من العداوة حتى صار جوىً. والأضم: الغضب. ومع ذكر الأضم اجتوى بالجيم أشبه، وهو أقرب. وجواب لو محذوفٌ، لأن الأفعال التابعة لهذا البيت جميعها مقصورٌ على بيان القصة، وشرح أحوال الوقعة. وقد بينت فيما تقدم أن حذف الجواب من مثل قول القائل: لو رأيت زيداً وفي يده السيف، أدل على التهويل والتفخيم من إثباته.

فأرسلنا أبا عمرٍو رببئاًفقال ألا انعموا بالقوم علينا

يقول: توجهنا نحوهم وأنقذنا من قبلنا من ارتبأ لنا، فعاد مبشراً وقال: قروا عيناً واستبشروا، فقد أقبلوا. وهذا مما يترجم عن محبتهم لملاقة الأعداء، وحرصهم على القتال، وتشوفهم للمجاذبة والنزاع، حتى عدوا قربهم بشارةً، والالتقاء معهم غنيمة. وهذا عندي أبلغ من قول الآخر:

يستعذبون مناياهم كأنهملا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

ومن قوله:

لقاء أعادٍ أم لقاء حبائب

وقوله " عيناً " انتصب على التمييز، وهو من باب ما نقل الفعل عنه ووضع النكرة فيه موضع المعرفة، لأن الأصل في قررت به عيناً: قرت عيني. ومثله قولهم: يتصبب عرقاً، ويتفقأ شحماً. وفي القرآن: " واشتعل الرأس شيباً ".

ودسوا فارساً منهم عشاءًفلم نغدر بفارسهم لدبنا

يقول: وجهوا فارساً ليندس في أثناء خيلنا، ويعرف سرنا وعلننا، ويقف على عددنا وعدتنا، فيرجع إليهم بواضح الأحوال والأخبار، فخليناه والانصراف إليهم، ولم نستعمل غدراً في احتباسه عندنا، وطي أخبارنا عنهم. وأصل الدس: إخفاء الشيء تحت غيره. وفي القرآن: " أم يدسه في التراب " ويقال: اندس إلى فلانٍ، أي أتاه بالنمائم. فإن قيل: ما فائدة ذكر الغدر ها هنا والفارس الذي أنفذوه جاسوساً لم يكن اتخذ منهم أماناً، ولا اشترط عليهم شرطاً يوجب سلامته به مع مخالطته لهم. قلت: كأن المراد لم نستعمل مكراُ باحتباس الرسول، إذ كان في منعه من الانصراف إليهم انطواء أخبارنا عنهم، فيكون كالغدر بهم وبه. ويجوز أن

يكون ذلك الفارس الذي ظهر لهم ثقةً بالمعرفة بينه وبينهم، فعد ظهوره أخذاً للأمان عليهم. ويجوز أن يكون سمى ترك أقرب الأمرين إلى الكرم والوفاء معه غدراً، ثم برأ ساحته منه.

فجاءوا عارضاً برداً وجئناكمثل السيف نركب وازعينا

يقول: تسارعوا مقلبين نحونا، وكأنهم في كثرتهم وتعجلهم قطعة من السحاب فيها بردٌ - ووجه التشبيه أن لهم حفيفاً ووقعاً شديداً متهافتاً، كما يكون لذلك السحاب - ونحن لكثرتنا وإتياننا على ما يعترض في طريقنا كالسيل الذي لا يبقي ولا يذر. ومعنى " نركب وازعينا " أي لا ننقاد لمن يريد ضبطنا، ولا نطاوع من يطلب كفنا من الجيشين جميعاً. ولم يثن " وأزعينا " لأنه يشير إلى رجلين، لكنه أراد الكثرة والجنس بالوزاع، ثم ثنى مبيناً اختلاف الطائفتين من الخيلين. ولا يجوز أن يروى " وزعينا " بكسر العين لما يحصل من العيب بالسناد مع ارتفاع الضرورة.

فنادوا يا لبهثة إذ رأونافقلنا أحسنى ضربا جهينا

يقول: لما شارفناهم استغاثوا ببني بهثة معتزين إليهم، ومستمدين منهم، فاستثرنا نحن أيضاً في مقابلة ما فعلوا بنى جهينة، وهززناهم للضرب فيهم، والإيقاع بهم. وإنما يستعملون الاعتزاز في مثل هذه الحالة تهويلاً للأمر، وتكثيراً للعشيرة، ليستشعر كلٌ من الفريقين الرعب من صاحبه، والتهيب له. واللام من " يا لبهثة " لام الجر، وتعلقت بيا: حرف النداء. ولا يجوز أن يقال تعلقت بالفعل الذي دل عليه يا، لأن ذلك الفعل لما لم يخرج إلى الوجود سقط حكمه. وفتحت لوقوع المنادى موقع المضمر. وبهثة مدعوةٌ، والجار مع المجرور في موضع نصب لأنه منادىً. وقوله أحسني ضرباً " يجوز أن يكون ضرباً مفعولاً به من أحسني، ويجوز أن يكون في موضع الحال أي ضاربةً. ويروى: " أحسني ملأً "، ومعناه خلقاً. والمراد مخالقة أهل الحرب والمستنصرين؛ وهذه رواية أبي زيد. وقال ابن السكيت: معناه أحسني تمالؤاً أي تعاوناً. ويقال مالأت على فلان، وكأنه من قولهم رجلٌ مليءٌ، وقد ملؤ بملؤ ملاءةً وملاءً.

سمعنا دعوة عن ظهر غيبٍفجلنا جولةً ثم ارعوينا

يقول: قرع أسماعنا في أثناء التهيؤ والتطالع دعوةٌ تأدت من مكانٍ غائبٍ عن عيوننا، فدرنا دورةً ثم رجعنا إلى أماكننا. وهذا يجوز أن يكونوا خافوا الكمين

فجاءوا ليتأملوا، فلما أمنوا رجعوا. ويقال: ارعوى عن الجهل ارعواءً ورعوى حسنة ورعوى، أي رجع. ويقال: فعل فلانٌ كذا بظهر الغيب، وأتاني خبرٌ عن ظهر الغيب.

فلما أن تواقفنا قليلاًأنخنا للكلاكل فارتمينا

هذه المواقفة التي أشار إليها، يجوز أن تكون للتعبية والتهيئة، ويجوز أن تكون لتداعي الأبطال والمبارزة، واعتراضهم بين الصفين للمطاعنة. وقوله " قليلاً " يجوز أن يريد به زماناً قليلاً، فيكون ظرفاً، ويجوز أن يريد به: تواقفاً قليلاً، فيكون صفةً لمصدرٍ محذوف. والصفات تنوب عن المصادر والظروف كثيراً. وجواب لما " أنخنا "، ومفعوله محذوف. والمعنى: إنا بعد المطاردة نزلنا، وأنخنا للصدور فتناضلنا.

فلما لم ندع قوساً وسهماًمشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألؤ مزنةٍ برقت لأخرىإذا حجلوا بأسيافٍ ردينا

يقول: لما مللنا الطراد والرماء، بإفناء النبال وتعطيل القسى لانقطاع الأوتار، مشى بعضنا إلى بعضٍ للكفاح والجلاد، طلباً للاشتفاء، كأنهم تنقلوا في درج القتال ومراتبه، حتى بلغوا أعلاها وأصعبها، وأولاها بدرك الثأر وأحقها. ولهذا لما سأل عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن معد يكرب عن أنواع السلاح، وانتهى إلى ذكر السيف، قال " عنده تثكل الأمهات ". وانتصب " تلألوء مزنةٍ " على أنه مصدرٌ مما دل عليه " مشينا نحوهم ومشوا إلينا "، لأن في ذلك تلألوء السلاح من الجانبين جميعاً، ووميض كل واحدةٍ من الطائفتين جميعاً للأخرى. وقوله " إذا حجلو بأسيافٍ ردينا "، أي إذا كان مشيهم إلينا حجلاً كان مشينا إليهم ردياناً. والرديان فوق الحجلان، لأنه مشي الحمار بين آريه ومتمعكه، فهو أسرع من الحجلان، إذ كان في الحجلان تقارب الخطو كمشي المقيد ووثبته. فيقول: تلألأنا لوفور أسلحتنا، وبريق دروعنا وبيضنا، وإيماض أعيننا، تلألؤ سحابة برقت لسحابةٍ أخرى قابلتها. وقال أبو زيد: هذا من رديان الجواري إذا لعبن ترفع إحداهن رجلاً وتخطو بأخرى خطوتين، ثم تضعها وترفع الأخرى، تفعل ذلك مراراً. قال: والغراب يردي ويحجل.

شددنا شدةً فقتلت منهمثلاثة فتيةٍ وقتلت قينا
وشدوا شدةً أخرى فجروابأرجل مثلهم ورموا جوينا

يقول: حملنا عليهم حملةً منكرة، فأصبنا منهم ثلاثةً من الفتيان، وقتلت قيناً. وقين: اسم رجلٍ كان مشهوراً فيهم بالبأس والنجدة، فلذلك عين عليه. وقوله " ثلاثة فتيةٍ " فتيةٌ من أبنية القليل، كغلمةٍ وصبيةٍ، ولذلك أضاف الثلاثة إليها. وبناء الكثير الفتيان. و " شدوا شدةً أخرى "، يقول: وحملوا حملةً فأصابوا منا مثل ما أصبنا منهم، وارتث من قتلانا مثل ما ارتث من قتلاهم، ورموا جويناً أخى. قوله " بأرجل مثلهم " لو قال أمثالهم لجاز، وفي القرآن: " ثم لا يكونوا أمثالكم "، وفي موضع آخر: " يرونهم مثليهم رأي العين "، وفي موضع آخر: " إنكم إذاً مثلهم ". وهذه الأبيات تسمى المنصفة، لما تقابل فيها من صفات الجيشين على وجه التعادل، وسنن التصادق. إن قيل ما فائدة قوله " شدةً أخرى "، ولم يكن قد تقدم لهم أولى؟ قلت: يجوز أن يكون أراد توالي بيننا حملتان: الأولى منا، والأخرى منهم، لأن قصده اقتصاص الحال الدائرة بينهم. ويجوز أن يكون أراد أن يبين أنهم كانوا السابقين والمبتدئين، فوصف شدتهم بالأخرى ليعلم أن المتقدم في الذكر كانت الأولى.

وكان أخي جوينٌ ذا حفاظٍوكان القتل للفتيان زينا
فآبوا بالرماح مكسراتٍوأبنا بالسيوف قد انحنينا

نبه على أنه بحسن محافظته على الشرف، وجميل مدافعته دون العشيرة ثبت حتى قتل، وأن قتله كانت قتلةً محمودةً تزين ولا تشين. وقوله: فآبوا بالرماح مكسراتٍ، وأبنا بالسيوف منحنياتٍ، جعل فيه أعلى الصفتين لنفسه وذويه، وإن كان الظاهر من قصده في الوصف الجري على سنن النصف، يشهد لذلك ما رتبه زهيرٌ في قوله:

بطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا

ألا ترى أنه جعل الطعن فوق النضل، والضرب فوق الطعان، والعناق فوق الكفاح. وكذلك فعل في الرديان والحجلان، وفي وصف أخيه بحسن الحفاظ عند قوله " ورموا جوينا " في مقابلة " وقتلت قينا ". وأما قول الآخر.

نطاردهم نستنقذ الجرد كا لقناويستنقذون السمهري المقوما

فليس من التناصف في شيءٍ؛ إذ كان المعنى: إنا عند الطعان نذويهم عن ظهور الدواب، فنغنم دوابهم ونفوز بها، وهم يستنقذون رماحنا لأننا نكسرها فيهم إذا طعناهم، ونجرها إياهم فيفوزون بها. فيقول: انصرفوا وقد تكسرت رماحهم بالإجرار، ورجعنا وقد تثنت سيوفنا بإعمالنا إياها في البيض والدروع وقت الجلاد.

فباتوا بالصعيد لهم أحاحٌولو خفت لنا الكلمى سرينا

يقول: بقوا ليلهم يثنون على الصعيد، وهو وجه الأرض، ولو ساعدتنا الطائفة المجروحة منا، وقدرت على السري لسرينا، لكن كلاً منا اضطر إلى الإقامة والتلوم ريثما يثوب إليه القوى بعد لحوق الجهد، ومشارفة الردى. وقد قيل إن الأحاح العطش، والمشرف من الجراح على الهلاك يعطش. وقد قيل إن الأحاح شدة الوجد من الغيظ حتى يسمع له من الصدر صوتٌ، وهو على مثال الأدواء والأصوات جميعاً؛ لأن فعالا يكثر فيهما. والكلمى: جمع كليمٍ، وفعلى يكون جمعاً لما كان من الزمانة والضرر وأنواع البلايا. وأبنية واحده تختلف.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.