تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال مساور بن هندٍ

سائل تميماً هل وقيت فإننيأعددت مكرمتي ليوم سباب
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «سائل تميماً هل وقيت فإنني»

يقولك سائل تميما هل كان مني وفاءٌ بما تضمنته لجاري، فإني رجلٌ نظارٌ في أعقاب الأحاديث، مهتمٌ بإعداد المكارم ليوم النفار، شديد النزاع في مجالس الفخار. كأنه يقرر خصماءه على ما كان من وفائه، ليسقط التبعة عنه فيه، وينبه على أنه يراعي أفعاله فيخلصها مما يعد سيئةً وسبةً ووصمةً في حسبه.

وأخذت جار بني سلامة عنوةًفدفعت ربقته إلى عتاب
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «سائل تميماً هل وقيت فإنني»

عتاب هذا كان معتصماً بحبله، ومستظهراً بذمته، فلحقه من بني سلامة اهتضامٌ في أمرٍ، فجاء مساورٌ ومكنه من جارهم، وأعطاه ربقته ليتحكم فيه، ويشتفي لما لحقه منهم. وهذا الكلام بيانٌ لكيفية وفائه والخروج إلى جاره مما كان تضمن له. وقوله " عنوةً " أي قهراً، وهو مصدرٌ في موضع الحال. ويقال: أخذ بلد كذا عنوةً، أي قهراً بالسيف. والربقة: الحبل يشد في عنق البهم، وقد توسعوا فيه فقالوا: خلع فلانٌ ربقة الإسلام. وقوله فدفعت ربقته "، هو كما يقال دفعت مقادته.

وجلبته من أهل أبضة طائعاًحتى تحكم فيه أهل إراب
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «سائل تميماً هل وقيت فإنني»

الهاء من " جليته " ترجع إلى دار بني سلامة. وأبضة: اسم ماء. وقوله " جلبته طائعاً " تنبيهٌ على أنه وإن لزمه لجاره الانتقام له من خصمه ومهتضميه فقد تبرع له بما لم يكن عليه، وتكلف فيه ما لم يلزمه. وإراب: موضع، وقيل إراب: ماءٌ لبنى العنبر. وأبضة: ماءٌ لطيئ. والأبض كالعقل، ومنه المأبض في الرجل. وقيل للغراب مؤتبض النسا، لأنه يحجل فكأنه مأبوض.

قتلوا ابن أختهم وجار بيوتهممن حينهم وسفاهة الألباب
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «سائل تميماً هل وقيت فإنني»

يشهر بفعلتهم الذميم ويندد، فيقول: قطعوا الرحم ونقضوا العهد، وارتكبوا ما كان محظوراً في الدين والمروة، والعهد والذمة، فقتلوا جارهم وابن أخيهم، بخفة عقولهم، واقتراب هلاكهم. والسفه: الخفة في الأصل، ومنه قيل زمامٌ سفيهٌ، إذا كان كثير الاضطراب، ومنه قيل: تسفهت الريح الغصن، وتسفهته عن ما له. واللب: العقل، والفعل منه لب يلب. وقالت صفية بنت عبد المطلب: أضربه لكي يلب، ويقود الجيش ذا الجلب.

غدرت جذيمة غير أني لم أكنأبدً لأولف غدرة أثوابي
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «سائل تميماً هل وقيت فإنني»

غيرهم باستعمال الغدر وترك الوفاء للجار، ثم برأ ساحته من تعاطي مثل فعلهم، ونزه نفسه عن ارتكاب نظير ما ارتكبوه. فأما قوله " لم أكن لأولف " فاللام فيه

لام الجحود، وانتصاب الفعل بأن مضمرة بينه وبين اللام. وموضع " لا ولف " نصب على أنه خبر كان، وانتصاب غير على أنه استثناءٌ منقطعٌ. وذكر الثوب على عادتهم في الكناية عن النفس. وعلى هذا قوله:

نبيت أن دماً حراماً نلتهفهريق في ثوبٍ عليك محبر
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «نبئت أن دماً حراماً نلته»

وقد قيل معنى قوله تعالى: " وثيابك فطهر "، أي نفسك. ويقولون على هذه الطريقة: فلانٌ غمر الرداء، وعفيف الحجزة، والمراد النفس. وعلى هذا قول النابغة:

رقاق النعال طيبٌ حجزاتهم

وقول الهذلي:

تبرأ من دم القتيل وبزهوقد علقت دم القتيل إزارها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «هل الدهر إلا ليلة ونهارها»
وإذا فعلتم ذلكم لم تتركواأحداً يذب لكم عن الاحساب
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «سائل تميماً هل وقيت فإنني»

الخطاب يوجه إلى جذيمة وهو منهم، ولذلك جعل لهم أحساباً يحتاج إلى الذب عنها، وينصح لهم بالإبقاء عليها، وترك الأفعال التي تدعو إلى البراءة منهم ومنها، لكنه أخرج نفسه مما عصب من الذم بهم، وألزمهم من ذميم القول في شيمهم وطرقهم، فقال: إذا ركبتم من شنيع الغدر مثل ما أنكرته اشتهر أمركم، وانتفى النسيب والغريب من ملا بستكم، وخلي بين القادح في أحسابكم وأعراضكم وبينكم، فلا يذب عنكم ذابٌ، ولا يدافع دونكم مدافع، وتفردتم بالعار اللاحق، والتهجين العائد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.