تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال شريح بن قرواشٍ

لما رأيت النفس جاشت عكرتهاعلى مسحل وأي ساعة معكر

يقول: لما تحركت حميتي وغلب نفسي، حتى كادت تثور من مقرها فتجري أنفةً وامتعاضاً، عطفتها على صاحبي مسحلٍ وفي أي وقتٍ معطفٍ فعلت ذلك. وهذا تفظيعٌ للشأن، وتفخيمٌ للأمر. فإذا رويت " وأي ساعة معكرٍ " بالرفع يكون مبتدأ وخبره محذوف، كأنه قال: وأي ساعة معكر ومكر تلك الساعة. وإذا رويته بالنصب يكون ظرفاً، ويكون العامل فيه مضمراً، كأنه قال: وعكرت أي وقت معكر. ومعنى عكر: عطف. ويقال: هو عكارٌ في الفتن. وجواب لما " عكرتها ".

عشية نازلت الفوارس عندهوزل سناني عن شريح بن مسهر

عشية انتصب على أن يكون بدلاً من قوله وأي ساعة معكر إذا نصبت أيا، وإن رفعته فانتصاب عشية على أن يكون ظرفاً والعامل فيه فعلٌ مضمرٌ دل عليه ما قبله، كأنه قال عكرت عشية. ولا يكون العامل نازلت، لأنه مضافٌ إليه وبيانٌ للوقت، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. فيقول: عطفت عليه ذاباً عنه ومدافعاً دونه، عشية منازلتي الفرسان بحضرته، وحين زل سنان رمحي عن ابن مسهرٍ، وإنما زل

السنان عنه وسلم من طعنته لأنه كان لبس درعاً تحت ثيابه وهو لا يشعر، فكأنه يعتذر ويتلهف.

وأقسم لولا درعه لتركتهعليه عوافٍ من ضباعٍ وأنسر

قوله أقسم يمينٌ، والمحلوف به محذوف، وهو لفظة الله. ولكثرة مجيئها مع أقسم صار وهو محذوف كالمنطوق به، وجواب القسم استغني عنه بحديث لولا، لأنه فيه. والمعنى أنه بين العذر فيما اتفق عليه، فقال لولا درعه التي استظهر بها، وظاهر بثوبه فوقها، لتركته بطعنتي مقتولاً، وعوافي السباع والطير تأتيه وتنال منه. ويقال عفاه واعتفاه بمعنىً واحد.

وهل غمرات الموت إلا نزالك الكمي على لحم الكمى المقطر

هذا الكلام بيان ما تكلفه عند التعطف على مسحلٍ، وتصويرٌ لهول ما ركبه وعاناه من عظيم البلاء في نصرته. ولهذا جعل النفي بلفظ الاستفهام، فقال: وما شدائد الموت إلا منازلتك الكمي فوق لحم الكمي، أي فوق جيف القتلى. ولولا أن هل في طريق النفي ها هنا لما جاء بعده إلا. والمقطر: الملقى على أحد قطريه، وهما الجانبان. ولقطر اختصاصٌ بالعبارة عن الإسقاط والصرع. على ذلك قول عمرو بن معد يكرب:

ما قطر الفارس إلا أبا

ومن المحكي عنهم في المعنى الذي قصده هذا الشاعر، أنه سئل بعضهم: ما أشد ما رأيته فيما زاولته من الحروب؟ فقال: " الزلق على العلق ". وفي طريقته قول الآخر:

يطأن من القتلى ومن قصد القناشربجاً فما يجرين إلا توهما

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.