تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال طرفة الجذيمي

يا راكباً إما عرضت فبلغنبني فقعسٍ قول امرئٍ ناخل الصدر

يخاطب واحداً من الركبان غير معينٍ، ويكلفه إن عرض لبني فقعسٍ أن يبلغهم عنه قول رجلٍ ناخل الصدر ناصح الجيب، صادق الود. وإنما نكر المدعو لأمرين: أحدهما شدة اهتمامه بالرسالة وتحميلها رسولاً كائناً من كان. والثاني أنه أراد أن يضع رسالةً ظاهرها أنها أودعت متحملاً، علماً بأن الرسالة بنفسها إذا ضمنت الشعر وعقدت به ستبلغ على أفواه الرواة. وقوله " ناخل الصدر " يريد مصفى ما في الصدر، فحذف المضاف. أو يريد ناخل الصدر لما يعيه فجعل الفعل للصدر توسعاً، والمعنى أنه موافق الظاهر للباطن. ويقال: نخلت الود والنصح لفلانٍ، إذا أخلصتهما.

فو الله ما فارقتكم عن كشاحةٍولا طيب نفسٍ عنكم آخر الدهر

يقول: أحلف أني لم أوثر فراقكم لعداوةٍ لازمةٍ لكشحي، وبغضاء متمكنةٍ من طويتي، ولا لسلو نفسٍ عنكم وسخاء قلب بكم آخر الدهر. وهذا الكلام إظهار ميلٍ إلى إصلاح ذات البين لو تساعدت الأحوال، ومعذرةٌ أقامها فيما قصده من مراغمتهم، وآثره في مهاجرتهم ومفارقتهم، وإبانةٌ عن الأمر في أن الباعث على ما اتفق لم يكن من سوء خلةٍ، وانطواء على حسدٍ وقطيعةٍ. وإنما قرن السلو بقوله آخر الدهر ليري أن ذلك التقدير ليس بحاصلٍ ولا واقعٍ أبداً، وهذا كما يقال لا أفعل كذا ما دامت السموات والأرض.

ولكنني كنت امرأً من قبيلةٍبغت وأتتني بالمظالم والفخر

هذا كشف العذرة وذكر السبب الموجب للمجانبة والفرقة، فيقول: ولكنني كنت رجلاً من قبيلةٍ خرجت عن طريق التواصل إلى طريق التقاطع بما استعملته من البغي والشقاق، وتعاطته معي من الظلم والعناد، حتى تداعت مباني التواشج والتحاب، وانفصمت عرى العلائق بيننا والتواد، وعيل الصبر، بما لحق من الهضم، وحرج الصدر، لما تلاحق حالاً بعد حالٍ من الاستخفاف والذل.

فإني لشر الناس إن لم أبتهمعلى حالةٍ حدباء نابية الظهر

انتقل عن الخطاب إلى الإخبار حين توعدهم، وإن كان الكل من جملة الرسالة. ويروى: " لشر الناس " بكسر اللام، والمعنى أنا ابن شر الناس، كما

قال النابغة:

لئن كان للقبرين قبرٍ بجلقٍ

والكلام لفظه لفظ الخبر والمعنى معنى القسم. وهذا من الأيمان الشريفة. ويروى: " لشر الناس ". والمعنى: أنا شر الناس إن أحمل هؤلاء القوم بياتاً على حالةٍ منكرةٍ، وخطةٍ صعبة، لا يستقر عليها، ولا يثبت على ظهرها.

وفي هذه الطريقة قول الآخر:

لقد حملت قيس بن عيلان حربناعلى يابس السيساء محدودب الظهر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

فقوله نابية الظهر مثل قول هذا محدودب الظهر، أي ظهرها يجفو لنتوه ونبوه فيقلق راكبها ولا يقر، وجواب الجزاء الفاء في قوله وإني لشر الناس.

وحتى يفر الناس من شر بينناونقعد لا ندري أننزع أم نجري

تعلق حتى بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قال: وأديم ذلك لهم حتى يفر الناس، أي إلى أن يفر الناس. والمعنى: إني لا أزال أتمادى في اللجاج والشر، وأترقى في درجات النزاع والحرب، حتى يسقيل الناس من مشاركتنا وملابستنا فيما نزاوله، ويستعفوا من التوسط بيننا وردنا عما نقتحمه، وينفضوا أيديهم من استطلاحنا ونتحير نحن أيضاً ونرتبك إذا توسطنا أمورنا فلا ندري أنقصر ونكف، أم نجري فننفذ. وهذا إلمامٌ بما سار به المثل في قصة السالئة للسمن، وبقول الشاعر:

وكنت كذات القدر لم تدر إذ غلتأتنزلها مذمومةً أم تذيبها

وفي المثل السائر: " اختلط الخائر بالزباد ". وقوله " لاندري " في موضع الحال.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.