من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عروة بن الورد
لحى الله صعلوكاً إذا جن ليلهمصافي المشاش آلفاً كل مجزر
لحى الله: كلمةٌ تستعمل في السب، وأصله اللوم والقشر أيضاً. والصعلوك: الفقير. يقول: زاد الله كل فقيرٍ يرضى من عيشه بأن يطوف في المجازر إذا أظلم عليه الليل، ويلتقط المشاش منها كأنه يصافيها ويلازمها حباً لها - فقراً. وإنما قال هذا على وجه الإنكار. أي لم يقنع بذلك، وما له يسف لمثل هذا المطمع الخسيس ولا يطلب معالي الأمور. والمشاش: كل عظمٍ هشٍ دسم، والواحد مشاشةٌ. وقوله " مصافي المشاش " نكرةٌ، وانتصب على أنه صفةٌ لقوله صعلوكاً. وإضافته ضعيفةٌ، لأن المشاش أشير به إلى الجنس، ولا يحصل التخصيص بالإضافة إليه. وعلى هذا قولهم: قيد
الأوابد. ودرك الطريدة وما أشبهه. وكان يجب أن يحرك الياء من مصافي بالفتح، فسكنه لأن منهم من يجري الفتحة في مثله من المعتل مجرى سائر الحركات فلا يثبتها.
بعد الغنى من نفسه كل ليلةٍأصاب قراها من صديقٍ ميسر
يقول: لفرحه بما يناله من كسبه الدني، ورضاه عن أيام بعيشه اللئيم يعد - إذا أصاب القرى لدى صديقٍ ولدت له شياهٌ فاتسع اللبن عنده وفي رحله - الغنى محوزاً له، ومحصلاً عنده، فلا غضاضة تلحقه، ولا أنفة تقبضه. والميسر ضد المجنب، يقال يسر الرجل ويسرت غنمه. وجنب الرجل، إذا قلت الحلوبة في إبله وغنمه. قال:
وكل عامٍ عليها عام تجنيب
وقوله " أصاب قراها " أضاف القرى إلى الليلة على المجاز، والمراد قراه فيها.
ينام عشاءً ثم يصبح ناعساًيحت الحصى عن جنبه المتعفر
يقول: ينام هذا الصعلوك لدناءة همته، وقماءة معيشته، واستيلاء الكسل على نفسه ومكسبه قبل الليل، لأن همته في راحته ونومه، وحرصه على ما يسد جوعته به. ثم يأتي الصباح عليه وهو ناعسٌ بعد، غير قاضٍ حاجته من الرفاد، ولا ضجرٍ في مضجعه بالتساقط والانجدال، ينفي عن جنبه ما لصق به من الحصى والتراب، ونشب فيه من دقاق الحصى. وذلك لأنه نام بلا وطاءٍ. وقوله " يحت الحصى " أي يسقطه، فهو قريب من يحط. والعفر: التراب. ويقال عقرته فتعفر.
ولكن صعلوكاً صفيحة وجههكضوء شهاب القابس المتنور
صفحة الرجل وصفيحته: عرض وجهه. يقول: ولكن فقيراً مشرق الوجه صافي اللون، لا يتخشع لفقره، ولا يتذلل إذا أثر الدهر فيه، فكأن ضوء وجهه ضوء نار القابس المتنور. والقابس ها هنا ذو القبس معناه. والقبس: النار، ويكون القابس
الطالب. ويقال: أقبسني نارك. والمتنور: المتفعل من النار. ويقال تنورت النار، أي نظرت إليها واستضأت بنورها. ومنه قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلهابيثرب أدنى دارها نظرٌ عل
وموضع " صفيحة وجهه " مع خبره نصب على أن يكون صفةً لصعلوكاً وخبر لكن يجيء فيما يجيء من بعد. وقوله " صفيحة وجهه " حذف المضاف منه لأن المراد ضوء صفيحه وجهه كضوء شهابٍ، فأقام المضاف إليه مقامه.
مطلاً على أعدائه يزجرونهبساحتهم زجر المنيح المشهر
يقال: أطل على كذا، إذا أوفى عليه. والمنيح، قال الخليل: هو الثامن من القداح. وقال أبو عمرو: المنيح والسفيح والوغد قداحٌ لا انصباء لها، وإنما يكثر بها القداح فهي تجال أبداً، وقال الأصمعي: المنيج الذي لا يعتد به. فيقول: ولكن الفقير الوضئ الوجه، الذي يبذل جهده ويبتذل نفسه في طلب غناه، ويقصر سعيه على ما يبلغ به عذره فيشرف على أعدائه غازياً ومغيراً، وهم يزجرونه حالاً بعد حالٍ، ويكرهو عليهم وقتاً بعد وقتٍ يزجر هذا القدح في خروجه ومع ذلك يرد. وخبر لكن بعد لم يجيء.
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابهتشوف أهل الغائب المنتطر
يقول: هذا الفقير لا يقعد به عن طلب الأعداء والإغارة عليهم والنيل منهم بعد الغزاة وتنائي الدار، فهم لا يأمنونه وإن شحطوا، بل يتشوفونه تشوف الغائب المتنظر، أي كما يتشوف غائبٌ دنا قفوله وينتظر. وانتصب " تشوف " على المصدر فيما دل عليه لا يأمنون اقترابه، ومفعول تشوفٌ محذوفٌ، كأنه قال تشوف أهل الغائب رجوعه.
فذلك إن يلق المنية يلقهاحميداً وإن يستغن يوماً فأجدر
يقول: ذلك الصعلوك إن أدركه الأجل، قبل نيل الأمل، لقيه محموداً، إذ كان قد فعل ما وجب عليه، وأقام عذره في مطلوبه باستفراغ الوسع في السعي له، وإذ كان التبعة فيما فات على من يملك العواقب دونه. وإن نال الغني يوماً فما أخلقه بذلك. وقوله " إن يلق المنية " خبر قوله ولكن صعلوكاً لو انفرد عن قوله فذلك، لكنه لما تراخى الخبر عن المخبر عنه وتباعد المقتضي عن المقتضى له أتى بقوله فذلك،
مشيراً به إلى الصعلوك. فصار إن يلق خبراً عنه. وساغ ذلك لأن المراد بالأول والثاني شيءٌ واحد، ومما أجرى هذا المجرى لحصول مثل هذا التراخي فيه قول الله ﷿: " ألم تعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم "، فأعاد أن في قوله " فأن " كما ترى.
؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع