من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عنترة بن شدادٍ العبسي
تركت بني الهجيم لهم دوارٌإذا تمضى جماعتهم تعود
البيت يروى على وجهين: أحدهما:
تركت بني الهجيم له دواراًإذا يمضي جماعتهم يعود
ويكون الضمير في قوله له للفرس، ويمضي فعلٌ له، وجماعتهم ينتصب على المفعول، لأن يمضي هذا يتعدى، ومعناه يجاوزهم. ويكون المعنى: تركت هؤلاء القوم لفرس مطافاً بمنزلة الدوار وهم ضمٌ كانوا يحجونه يطوف حول ذلك الضم، إذا نفذهم وخرق صفوفهم ودار عليهم عاد إلى مثل فعله الأول، وإلى مكانه الأول. ويشبه هذا البيت بيت الأعشى في المعنى واللفظ، وهو:
تطوف عليهم وتمضيهمكما طاف بالرجمة المرتجم
وجاء في الحديث حجةً لتعدي يمضي، في صفة المحشر: " يمضيهم الداعي وينفذهم البصر ".
والثاني أن يروى:
تركت بني الهجيم لهم دوارٌإذا تمضي جماعتهم تعود
والمعنى: تركتهم يطوفون حول قتلاهم كما يطاف على ذلك الصنم، أو ذلك النسك، فإذا انقضت جماعةٌ منهم عادت الأخرى للنظارة. وقوله " جماعتهم " يريد جماعةٌ منهم، فأضاف البعض إلى الكل، وليس يريد جملتهم، فهو في حكم النكرات. وموضع " لهم دوارٌ " نصبٌ على الحال، وقوله " تعود " فاعله مضمر، وهو جماعةٌ أخرى، فاكتفى بذكر الأولى عنها.
تركت جرية العمري فيهشديد العير معتدلٌ سديد
يفتخر بأنه أصاب المذكور، لما رماه بسهمٍ محكم النصل، مقوم القدح، صلب العير، سديد الوقع. وموضع قوله " فيه شديد العير " نصب على الحال. والعير: الناتئ من وسد النصل. وقد أقيم الصفة مقام الموصوف، لأن المراد به سهمٌ شديد العير. ولولا ما حصل من الاختصاص بإضافة الشديد إلى العير لما جاز ذلك فيه، لأن الصفة لا يقوم مقام الموصوف حتى يدل عليه دلالةً قويةً. فأما إذا كانت عامةً في أجناس، فلا يجوز ذلك فيه. لو قلت مررت بطويلٍ، وأنت تريد رجلاً، لم يحسن، لأن الطويل يكون في غير الرجال كما يكون في الرجال. ولو قلت مررت بكاتبٍ، يحسن إذ كانت الكتابة مختصة.
فإن يبرأ فلم أنفث عليهوإن يفقد فحق له الفقود
كان من رموزهم أن الواحد إذا رمى بسهمٍ وأراد سلامة الرمية منه رقى سهمه بعودة ونفث فيه، ثم رمى به، وإذا أراد هلاكه لم يفعل ذلك. ومثل هذا قول الآخر:
فلم أرقه إن ينتج منها وإن يمتفرمية لا غسٍ ولا بمغمر
وقوله " فحق له الفقود " المبتدأ محذوف، كأنه قال فهو حقٌ له الفقود، لأن الفاء يجلب في الجزاء إذا كان الجواب بالابتداء والخبر، ولو قصد إلى أن يكون الفعل جواباً لا يستغنى عن الفاء. وبعض من يدفع هذه الطريقة يقول لا رقية ولانفث، إنما كنوا عن الإبقاء بمثل هذا الكلام. وقوله: " وإن يفقد " فهو مثل قوله " فطعنة لا غسٍ ". والمعنى: إن يبرأ فليس ذلك من بقياى، وإن يهلك فواجبٌ لأن المصاب بمثله يهلك لا محالة.
وما يدري جرية أن نبلييكون جفيرها البطل النجيد
يروى: " وهل يدري جرية ". والمعنى لا يعلم أنه كما أتى أصبته فدأبي وعادتي أن تكون الأبطال النجداء لنبلي بمنزلة الجعبة، أصيبهم أبداً بها. وفي ذكره البطل
النجيد إلمامٌ بقول الآخر:
ونصطاد نفوساً بنت على كرم
ويقول الآخر:
من عهدٍ عاد كان معروفاً لناأسر الملوك وقتلها وقتالها
وأخذ أبو تمام هذا المعنى فقال:
فلا تطلبوا أسيافهم في جفونهافقد أسكنت بين الطلى والجماجم
ويجوز أن يريد بالبطل النجيد جرية بعينه، ثم يجوز أن يكون متهكماً فيما وصفه به، ويجوز أن يكون مادحاً له، لأن مدح خصمه وفت غلبه راجعٌ إليه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع