من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال العباس بن مرداسٍ
أبلغ أبا سلمى رسولاً يروعهولو حل ذا سدرٍ وأهلي بعسجل
رسول امرئٍ يهدي إليك نصيحةًفإن معشرٌ جادوا بعرضك فابخل
يخاطب بقوله " أبلغ " صاحباً له، يقول أد إلى أبي سلمى رسالةً تفزعه على ما بيننا من البعد، وعلى استيطانه ذا سدرٍ ونزول أهلي بعسجلٍ. وذو سدرٍ: موضع فيه السدر، وهو شجر النبق. وعسجلٌ: موضعٌ من حرة بني سليم، وبينهما مسافةٌ بعيدةٌ. والرسول يقع على المراسل والرسالة جميعاً، ويجري مجرى المصادر، فيقع على الواحد فما فوقه، ومجاز " لوحل " مجاز الشرط، فهو يفيد معنى إن، كأنه قال: أبلغه ذلك فإني لا أذخره نصحي، وإن بعد عني وعن عشيرتي. وانتصب " رسول " من البيت الثاني على أنه بدل من رسولاً يرعه. ونقل الكلام في البيت الثاني عن الإخبار إلى الخطاب، لتكون الوصاة أنجع، والرسالة أبلغ. وإنما قال " رسولاً يرعه " لما فيه من التحذير. فيقول: أد إليه رسالة رجلٍ منتصحٍ متقربٍ، وعلى ما يكون فيه صلاحه وخلاصه منبهٍ. وقوله " فإن معشرٌ جادوا بعرضك " تعريضٌ بمن كان يغشه ويخونه، ويداجيه فيما استشاره فيه فلا يصدقه. وارتفع " معشرٌ " بفعلٍ مضمرٍ " جادوا " تفسيره؛ لأن إن بالفعل أولى، والمعنى: إن عرضك من لا يهمه سلامة عرضك لما فيه ذهاب النفس وتلف المهجة، وتسخى بك وبما يجمعك وإياه من أسباب المودة واللحمة، فابخل أنت به وتماسك، قبيل فوت الوقت، وانظر ليومك وغدك قدام تولي الأمر.
وإن بوءوك مبركاً غير طائلٍغليظاً فلا تنزل به وتحول
يقال: بوأته مبوأ صدقٍ، أي أحللته. والمباءة: المنزل. يقول: وإن حملوك على مركبٍ غير وطئٍ يسومونك فيه خسفا، وأنزلوك منزلاً خشناً حزناً يؤثر في ثفنات الإبل فيدميها، ويستوعره الركب فلا يرونه منزلاً لها، فلا ترض به، وانتقل عنه. وهذا مثلٌ لما عرضوه له، ويبعثه بضربه إياه على محاذرته، وتصور الأمر معهم بصورته. وقوله " غير طائل " يجب أن يكون من الطول: الفضل؛ يقال: طال عليهم طولاً فهو طائلٌ. والمعنى: لا خير فيه فيطول على غيره. ومثل هذا البيت قول امرئ القيس:
هو المنزل الآلاف من جو ناعطٍبني أسدٍ حزناً من الأرض أوعرا
وقوله " فلا تنزل به " الفاء مع ما بعده جواب الشرط في قوله وإن بوءوك. وموضع فلا تنزل رفعٌ على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فأنت لا تنزل به.
ولا تطعمن ما يعلفونك إنهمأتوك على قرباهم بالمثمل
أخرج ما قدمه من التمثيل لكيدهم وسوء دخلتهم، وما يجب عليه من الأخذ بالتحرز معهم، وترك الاستناخة في المبرك الذي اختاروه، والمبوأ الذي أعدوه، في معرضٍ آخرٍ. والمعنى: وما يعد قرىً لك فتجنبه ولا تتناوله، فإنهم هيئوا لك به سماً قاتلاً فلا تطعمه والمثمل، هو السم الذي قد خلط به ما يقويه ويهيجه، ليكون أنفذ. ويقال للصوفة التي توضع في الهناء عند طلي البعير به. الثملة، وهو مما ذكرت. قال الزاجز:
كما يلاث في الهناء الثملة
وقوله " أتوك على قرباهم " يجوز أن يريد به على تقربهم وتنصحهم، ويجوز أن يريد به على قرابتهم وتشابك الأحوال بينك وبينهم. وإنما تنقل في المثل بعد المثل تأكيداً للقول عليه في محاذرتهم، وإنذاراً في الركون إليهم، والاستنامة إلى ناحيتهم.
أبعد الإزار مجسداً لك شاهداًأتيت به في الدار لم يتزيل
هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فهو تقريعٌ وإنكارٌ، وتنبيهٌ وإنذارٌ، فيما يضرب المخاطب عنه، ويغفل دونه، مع كونه أعدل شاهدٍ على سوء نيتهم، وخبث طويتهم، ومع خروجه عن حيز الاستدلال عليه إلى المشاهدة، ومن خلل الخفاء والتشكك إلى ظاهر الضرورة. فيقول: أتغتر بهم، أو تستريب بما أحذرك منهم، بعد ظهور أمرهم وانكشاف قصدهم، وبعدما أتيت به في الدار من الإزار المتلطخ بدم ابن عمك، وقد يبس عليه ولم يتزيل عنه. فقوله " بعد الإزار " يتعلق بفعلٍ مضمرٍ قد دل عليه خبيئات القصة المحكية. والمجسد: الثوب المشبع صبغاً. والجساد: الزعفران. ومعنى لم يتزيل: لم ينفك مما خالطه منه.
أراك إذاً قد صرت للقوم ناضحاًيقال له بالغرب أدبر وأقبل
الناضح: البعير الذي يستقى عليه الماء. والنضح من الحياض: ما قرب من البئر فيفرغ الماء من الدلو فيه، وهذا الكلام صدر عمن نصح جهده وبين لموعظه
رشده، فلما لم يتلق بالقبول قوله جعله قضيةً منه على المخاطب، بسوء الاختيار، وركوب الاغترار، وأظهر أنه قد صار من التضجر به ورفع الطمع عنه وعن صلاحه، في حكم اليائس من فلاحه، والممسك عن وعظه وإبلاغه، لكونه في حكم المسخر لهم حتى لا رأى له ولا اعتبار، ولا تدبر ولا اختيار. فقال: أراط قد صرت معهم بمنزلة البعير الذي يستقى عليه، طاعة وانقياداً، فيقال له أدبر وأقبل بالغرب. والمعنى تسام ما تسام فتلتزمه وتنقاد، فعل ذلك البعير. ومعنى " يقال له " أي يحمل على ذلك. والتصرف في القول على وجوهٍ كثيرة من المجاز.
فخذها فليست للعزيز بخطةٍوفيها مقالٌ لامرئٍ متذلل
هذا الكلام خروجٌ عن عهدة ما يفعله المخاطب، وبراءةٌ إليه مع الإنكار عليه والتنبيه على موضع الخطأ فيه، فيقول: وكلتك إلى نفسك، ونفضت يدي من مراجعتك، فأرض بما عليه تدار، وابذل ما تراود عنه وتسام، عالما أن مثله لا يرضى به عزيزٌ، ولا يلتزمه آنفٌ؛ وفيه مع ذلك نظرٌ وجدالٌ لمن يتذلل: هل هو خطته أيضاً. والمعنى: إنك تركب ظهراً لا يقتعده المتكلف للذل فكيف العزيز. ويجوز أن يكون المعنى: فيها للناس، إذا تذاكروا الأحوال والخطط، نظرٌ وكلامٌ مبسوطٌ: هل يرضى بمثله المتذلل أو لا. ويجوز أن يريد: إن الذليل يتكلم فيمن يرضاها خطةً ويعيره إياها، فكيف يكون خطة للعزيز. وهذا الوجه أبلغ الوجوه الثلاثة وأدقها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع