تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال العباس بن مرداس (٢)

أتشحذ أرماحاً بأيدي عدوناوتترك أرماحاً بهن نكايد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أتشحذ أرماحا بأيدي عدونا»

هذا مثل. والمعنى: أتعين أعداءنا علينا، لأن من أحد سلاح العدو الذي يقاتل به، وترك سلاح صاحبه الذي يكايده فقد أعانه عليه. وإنما خص من بين العدد الرماح لأنها كأنها أخص بهم. وقوله " وتترك أرماحاً " أراد وتترك شحذ أرماحٍ، فحذف المضاف. ويجوز أن يكون في كنى بالأرماح عن الرجال. والمعنى: أتهيج أصحاب عدوي علي، وتسددهم نحوي، وتترك أصحابي الذين بهم أكابد، فلا تقوى في القتال والصبر رأيهم ولا تمر في الثبات عزائمهم، ومن المعروف قولهم: فلانٌ سيفي

ورمحي، في الذي يستظهر به عند ملاقاة الأعداء وفلانٌ ترسي وجنتي، فيمن يتقى به من الأسواء. وإنما قال في هذا الوجه أرماحاً بأيدي عدونا لأنه إذا كنى عنهم بما يكون آلة جعلها باليد. ويقال شحذت السكين، إذا أحددته. والباء من قوله " بأيدي " يتعلق بمضمر، كأنه قال أرماحاً مستقرة وحاصلةً بالأيدي. والعدو يقع على الواحد وعلى الجمع. وفي القرآن " فإنهم عدوٌ لي ".

عليك بجار القوم عبد بن حبترٍفلا ترشدن إلا وجارك راشد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أتشحذ أرماحا بأيدي عدونا»

هذا الكلام بعثٌ وتحضيضٌ على مراعاة العهود والذمم، وصيانة الجار من الاهتضام، وإن لام فيها اللوائم. فيقول: انتصف لجارك وانتقم له بأن تؤثر في جار القوم، فإنك لا تكون راشداً إلا وقد رشد جارك معك. ويقال رشد يرشد، ورشد يرشد، لغتان. والباء من قوله: " بجار " يتعلق بعليك، لأن معنى عليك خذ. ويقال خذ كذا وخذ بكذا. يقال أيضاً عليك كذا وبكذا. ودخول النون الخفيفة في قوله " ترشدن " لأنه ليس بواجبٍ فهو يجري مجرى الأمر والنهي والاستفهام.

فإن غضبت فيها حبيب بن حبترٍفخذ خطةً يرضاك فيها الأباعد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أتشحذ أرماحا بأيدي عدونا»

الضمير في " فيها " للفعلة والخطة. ألا ترى قوله " فخذ خطةً يرضاك فيها الأباعد ". والمعنى: إن تسخط ما تتكلفه لجارك من الذب عنه والانتقام له هؤلاء القوم فلا تبال بهم، وخذ في أمره ما يحمدك الأباعد دون الأقارب، فإن الأخبار إذا انتشرت عنك بالوفاء استرجحك الأجانب. وخذل الجار وتسليمه إيثاراً لهوى الأقارب، ومجانبةً لكراهتهم، يجلب الذم ويلحق العار.

إذا طالت النجوى بغير أولي القوىأضاعت وأصغت خد من هو فارد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أتشحذ أرماحا بأيدي عدونا»

هذا بيان الرأي في قبول ما أشار به، وترك التعريج على غيره. والعامل في " إذا طالت " أضاعت، وهو جوابه أيضاً. فيقول: إذا طالت المناجاة وامتدت الاستشارة مع غير أرباب الآراء القوية ضيعت المستشير وأمالت خده، وصار في الانفراد بما يعانيه بمنزلة من لا ناصر له ولا مشير، لوقوع التشاور على غير حده، وتقصير المشير في القيام بواجبه، وقد جمع بين فعلين في قوله " أضاعت " و " أصغت " فأعمل الثاني، وهو المختار عند أصحابنا البصريين. ويجوز أن يكون مفعول أضاعت غير " خد من " فحذفه، كأنه قال أضاعت ربها. وكان الحكم في هذا الوجه أن يقول لو أظهر المفعول: وأصغت خده لكونه فارداً وحيداً، لكنه لما كان الآخر هو الأول وقد

حذفه، لم يبال بإظهاره، لأن الذي هو فاردٌ رب النجوى لا غير. ومعنى إصغاء الخد الإذلال والانحراف للفتور والخجل. والقوى: جمع قوة، وأصلها طاقات الحبل، ثم استعملت في الآراء والعزائم. وأصل النجوى المسارة، فاستعيرت للمشورة لأنها في أكثر المواضع تقع بها. ويقال: فلانٌ نجي فلانٍ، وتناجوا فيما بينهم وانتجوا، وهم نجوى، وصفٌ بالمصدر. وفي هذه الطريقة قول الآخر:

ومن لا يكن ذا ناصرٍ يوم حقهيغلب عليه ذو النصير ويضهد
فحارب فإن مولاك حارد نصرهففي السيف مولىً نصره لا يحارد
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أتشحذ أرماحا بأيدي عدونا»

يقول: حارب من قصد جارك وأعان عليه، ولا تقعد عن نصرته والانتصار له، فإن لم يعاونك فيما ترومه مواليك، وتأخروا عن النهوض معك، فاستعن بالسيف، فإن فيه مولىً لك لا يخذلك، ولا يتباطأ عنك. وهذا كما قال غيره:

أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر

والمحاردة أصلها في قلة اللبن، واستعير في قلة الموازرة والمظاهرة. وقوله " فإن مولاك " ارتفع مولاك يفعل مضمر ما بعده. تفسيره، لأن إن بالفعل أولى.

وقال أيضاً: وهذه الأبيات تعد من المنصفات:

فلم أر مثل الحي حياً مصبحاًولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا»

أشار بالحي إلى قومٍ معهودين. يقول: لم أر مغاراً عليه كالذين صبحناهم، ولا مغيراً مثلنا يوم لقيناهم. فقسم الشهادة قسم السواء بين أصحابه وأصحابهم، وتناول بالمدح كل فرقةٍ منهم. وانتصب قوله " حياً مصبحاً " على التمييز، وفيه دلالةٌ على جواز قول القائل: عندي عشرون درهما وضحاً. وكذلك قوله فوارساً تمييز وتبيين.

ويجوز أن يكون الأول والثاني في موضع الحال، والمصبح الذي يؤتى صبحاً للغارة، ويستعمل في الخير أيضاً، يقال: صبحك الله بخيرٍ. فإن قيل. لم قال فوارس والتمييز يؤتى به موحد اللفظ. قلت: إذا لم يتبين كثرة العدد واختلاف الجنس من المميز يؤتى بالتمييز مجوع اللفظ متى أريد التنبيه على ذلك. وعلى هذا قول الله تعالى: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً "، كأنه لما كانت أعمالهم مختلفةً كثيرةً، نبه على ذلك بقوله: أعمالاً ولو قال عملاً كان السامع لا يبعد في وهمه أن خسرهم كان لجنسٍ واحد من أجناس المعصية، أو لعملٍ واحدٍ من الأعمال الذميمة. فكذلك قوله " فوارس " جمعه حتى يكون فيه إيذانٌ بالكثير.

أكر وأحمى للحقيقة منهموأضرب منا بالسيوف القوانسا
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا»

المصراع الأول ينصرف إلى أعدائه وهم بنو أسد، والمصراع الثاني إلى عترته وأصحابه. والمراد: لم أر أحسن كراً، وأبلغ حمايةً للحقائق منهم، ولا أضرب للقوانس بالسيوف منا: وانتصب القوانس من فعل دل عليه قوله " وأضرب منا ". ولا يجوز أن يكون انصابه عن أضرب لأن أفعل الذي يتم بمن لا يعمل إلا في النكرات، كقولك: هو أحسن منك وجهاً. وأفعل هذا يجري مجرى فعل التعجب، ولذلك تعدى إلى المفعول الثاني باللام، فقلت ما أضرب زيداً لعمرو. وقول الله تعالى: " الله أعلم حيث يجعل رسالاته "، موضع حيث نصبٌ مما دل عليه أعلم. والقونس، قال الدريدي: هو أعلى البيضة وقال غيره: قونس الفرس: ما بين أذنيه إلى الرأس. ومثله قونس البيضة من السلاح.

إذا ما حملنا حملةً نصبوا لناصدور المذاكي والرماح الدواعسا

يروى: " إذا ما شددنا شدةً ". يقول: إذا حملنا عليهم ثبتوا في وجوهنا، ونصبوا صدور الخيل القرح، والرماح المعدة لذلك. ولدعس: الدفع في الأصل، ثم يستعمل في الطعن وشدة الوطء والجماع. والذكاء: ضد الفتاء. ويقال فرسٌ مذكٍ، إذا تم سنه وكمل قوته. وفي المثل: " جرى المذكيات غلابٌ ". ويقال " غلاءٌ ". ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان، أي حزامته على نقصان سنه كحزامة ذاك مع استكماله لسنه. وقال زهير بن

أبي سلمى:

يفضله إذا اجتهدا عليهتمام السن منه والذكاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
إذا الخيل جالت عن صريعٍ نكرهاعليهم فما يرجعن إلا عوابساً
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا»

يقول: إذا الخيل دارات عن مصروعٍ منا كررنا عليهم لنصرع منهم مثل ما صرعوا منا. ويجوز أن يريد: إذا جالت الخيل عن صريعٍ منهم لا يقنعنا ذلك فيهم، بل نكرها عليهم لمثله، وإن كرهت الكر لشدة البأس فلم ترجع إلا كوالح. والعامل في قوله " إذا الخيل " نكرها، وهو جوابه أيضاً. وإلا عوابساً في موضع الحال، وقوله " الخيل " ارتفع بفعل مضمر ما بعده تفسيره.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.