تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال بشر بن أبي

إن الرباط النكد من آل داحسٍكبون فما يفلحن يوم رهان

يروى " أبين فلا يفلحن "، ويروى " كبون " أي سقطن لوجوهها. قال:

فكبا كما يكبو فنقٌ تارزٌ

وهذا الكلام تضجرٌ بما انتتج بين ابنى بغيضٍ عبسٍ وذبيان من الشر، في الرهان على داحسٍ والغبراء، ودعاءٌ على داحسٍ ونسله بألا تفلح في خطارٍ، وأن تأبى النجاح في سباقٍ، فقال: إن الخيل المربوطة المشائيم من آل داحسٍ وداحساً، أبت السبق في حبلةٍ وميدانٍ، والفلاح يوم خطارٍ ورهان. والمعنى: لا جعل الله لها ذلك، فقد ترددنا

من البلاء في عماياتٍ لا انكشاف لها. وخبر إن " جلبن بإذن الله " وقوله " كبون فما يفلحن " أو " أبين فلا يفلحن " اعتراضٌ بين إن وخبره. والمعنى معنى الدعاء، فهو كما يقال إن زيداً خذله الله فعل كذا. ومثله في الاعتراض بالدعاء قول الآخر:

ما لكمتفاقدتم لا تقدمون مقدما

ويجوز أن يكون الكلام كله إخباراً متجرداً عن الدعاء، فيكون معنى كبون وأبين، أنه حصل لهن ذلك. والنكد: جمع أنكد. والرباط: مصدر رابطت، ولذلك وقع على الواحد والجمع. والآل، ذكر البصريون أنه في معنى الأهل، لا فرق بينهما، وأن تصغيره أهيلٌ، وهذا يؤذن بأن أصل ألفه هاءٌ. وحكى ثعلبٌ عن شيوخه أن الأهل، القرابة، متبعاً كان أو غير متبع، وأن الآل المتبع وإن لم يكن ذا قرابةٍ، فهما لمعنيين. قال: وحكى الكسائي في تصغير الآل أويلٌ، وفي تصغير الأهل أهيل.

جلبن بإذن الله مقتل مالكٍوطرحن قيساً من وراء عمان

أخذ يعتد الخصال المكروهة الحاصلة بها، فيقول: جلب سبق داحسٍ بعلم الله تعالى قتل مالك بن زهيرٍ، وتطريح قيس بن زهيرٍ من أرض العرب إلى عمان. وكان قيسٌ نذر ألا ينظر في وجه غظفانيٍ أبداً، فدعاه ذلك إلى مراغمة العشيرة، والتباعد في الغربة. وقوله " بإذن الله " من قولك أذنت بالقوم. وفي الحديث: " ما أذن الله لشيءٍ ". وقصد الشاعر أن يذكر ما أعقب سبق داحسٍ من الشر، وألحق من الشؤم. وقوله " جلبن " جعل اللفظ للآل، والمراد داحسٌ، لكنه لما جعل الدعاء لآله استمر في الإخبار على حاله ولم يغير. ويشبهه قول الآخر:

إن ابن ضرارٍ حين أندبهزيداً سعى لي سعياً غير مكفور

أراد: إن ابن ضرارٍ زيداً، فذكر الآل والمراد غيره. وهم في كثير من المواضع أقاموا الوالد مقام الولد والولد مقام الوالد، والعشيرة مقام الواحد منها، والواحد مقام

العشيرة، لأغراض مختلفة، حين أمنوا الالتباس. ومما يجانس هذا زيادتهم " ذو " و " حيٍ ". أنشد أبو زيد:

يا قر إن أباك حي خويلدٍقد كنت خائفه على الإحماق

وقال الشماخ:

فأدمج دمج ذي شطنٍ بديع

والقصد إلى خويلد وإلى شطنٍ.

لطمن على ذات الإصاد وجمعكميرون الأذى من ذلةٍ وهوان

الملطوم داحسٌ، فجرى على ما بنى عليه الكلام من الإخبار عن نسله وآله. وكان حذيفة بن بدرٍ أرصد فتيناً له من بني فزارة لما تغالق هو وقيسٌ على الفرسين في موضعٍ من ذات الإصاد لقب بشعب الحيس لحيسٍ أكلوه فيه وقال لهم: إن جاء داحسٌ متقدماً سابقاً فالطموه ونهنهوه عن الغاية حتى تتقدمه الغبراء، فمر بهم داحسٌ مبرزاً وفعلوا به ما رسم لهم حتى تخلف عن الغبراء، فاجتهد داحس وتكلف من العدو ما لحق بها، وتقدم عليها ثانياً فجاء سابقاً. وقوله " وجمعكم يرون الأذى "، يخاطب به بني عبسٍ، وإنما يصف ما نيل منهم وركبهم من الهضيمة في فرسهم لما لطم، وفي أنفسهم حين منعوا ما استحق له. واللطم: الضرب في الخد، ثم قيل فرسٌ لطيم تشبيهاً بذلك. وهذا كما يقال هو ممسوحٌ بالجمال مسحاً. وذات الإصاد يريد البقعة التي فيها الإصاد، ويقال هي ردهةٌ بين أجبلٍ. والردهة كالحفيرة يجتمع فيها الماء، والجميع الرداه.

سيمنع منك السبق إن كنت سابقاًوتقتل إن زلت بك القدمان

هذا يحتمل وجهين: أحدهما أنه جعل الخطاب لصاحب الفرس على المجاز والسعة، والمقصود الفرس، فيقول: تمنع من السبق إن سبقت - وهذا إشارة إلى ما كان منهم من لطم داحسٍ. وقد قدم ذكره - فإن خفت قدماك بك وبرزت ثانياً أتي

عليك. ويكون قوله " زلت بك القدمان " على ما فسرناه من قولهم قدحٌ زلول، إذا كان خفيفاً. فهذا وجهٌ. والثاني أن يترك الخطاب على ظاهره وحده، فيكون المعنى: سيمنع منك المتفق عليه من الخطر بسبق فرسك، فإن لم يثبت قدماك عند التقاضي به، وفي الدفاع عن نفسك فيما يراد من ظلمك ويرام من هضمك قتلت أيضاً. وهذا أقرب وأشبه بالقصة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.