تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال غلاق بن مروان

هم قطعوا الأرحام بيني وبينهموأجروا إليها واستحلوا المحارما

قطعوا بالتخفيف يصلح لقيل الفعل وكثيره، فإذا ثقلت لم يكن إلا للتكثير أو التكرير. والشاعر يصف ما أجرى إليه القوم في سبقٍ داحسٍ من قطيعة الرحم، وانتهاك المحرم، واستحلال المحظور المحرم؛ ويقتص ما تنقلوا فيه وتدرجوا إليه حالاً بعد حالٍ، وشيئاً بعد شيءٍ. وقوله " أجروا إليها " الإجراء يستعمل في المنكر المذموم، ومفعوله محذوف، كأنه أجروا فعلهم إليها، والضمير في " إليها " للقطيعة، لأن الفعل يدل على مصدره. وهذا كما يقال: من كذب كان شراً له، أي كان الكذب شراً له.

فيا ليتهم كانوا لأخرى مكانهاولم تلدي شيئاً من القوم فاطما

البيت على كلامين: صدره إخبارٌ، وعجزه خطابٌ لفاطمة، وهي أختٌ لهم. ومثله في أنه كلامين قوله تعالى: " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ". والشاعر قصده إلى إظهار التوجع من الحال، فيقول متمنياً: بودي إن يكونوا لو صلةٍ وقرابةٍ غير وصلتهم وقرابتهم، حتى لا يبلغ الجفاء من جهتهم مبالغة في نفوسنا، لأن ظلم ذوي القربى أشد تأثيراً. والشر إذا ورد على الإنسان من مظنة الخير كان أنفذ تحزيزاً. فقوله " كانوا لأخرى مكانها " أي لقرابةٍ أخرى مكان هذه القرابة؛ أو لأرحامٍ أخرى مكان هذه الأرحام. وقوله " لم تلدي شيئاً " تمنى ارتفاع الوصلة كما تمنى في الأول انقطاع القرابة؛ كأنه ود بعد استبدالهم بالتناصر تدابراً، وبالتواصل تقاطعاً، أنهم كانوا منهم غرباء. وقوله " فيا ليتهم " المنادى محذوف، أراد يا قوم ليتهم.

فما تدعي من خير عدوة داحسٍفلم تنج منها يا ابن وبرة سالما

يذم ما أحمدوه من سبق داحسٍ وتبريزه، ويسوئ رأيهم في تبجحهم، ويعرفهم قبح عاقبة ما اختاروه، وسوء مغبة ما شرعوا فيه. وإنما قال " ما تدعي " لأن أصحاب الغبراء كانوا يعللون سبق داحس وينكرونه، فلهذا علق ما حكاه عنه بالدعوى. وقوله " من خير عدوة " أي من نفعه وسناء ذكره. وقوله " فلم تنج منها " رد الضمير على المضاف إليه وهو العدوة. يريد: لم يرجع إليك منها جدوى، ولا ارتفع الأمر فيه كفاً. ولما فاتت الغنيمة فيه لم تحصل لك السلامة أيضاً.

شأمتم بها حيي بغيضٍ وغربتأباك فأودى حيث والى الأعاجما

قال أبو زيد: يقال شأم فلانٌ أصحابه، إذا أصابهم الشؤم من قبله. و " بها " يريد بالعدوة، وهذا تفسير قوله: فلم تنج منها يا ابن وبرة سالماً. يقول: أوقعتم بعدوتها والخطار عليها الشؤم في حيي بغيضٍ: عبسٍ وذبيان، وأحوج أبوك - يعني قيس بن زهيرٍ - إلى ترك أرض العرب ومهاجرتها. يعني حين أحرج وأزعج إلى بلاد العجم، حتى صار يواليهم بها، إلى أن مات غريباً بين ظهرانيهم. وأشار بقوله " حيث " إلى عمان وما وراءه.

وكانت بنو ذبيان عزاً وإخوةًفطرتم وطاروا يضربون الجماجما

يقول: كان بنو ذبيان لكم يا بني عبسٍ ملاذاً وعزاً، وعتاداً وظهراً، لما يجمعكم وإياهم من الأخوة، فاطرحتم موات التمازج والتشابك، وتجاوزتموها إلى التجاذب والتقاتل. وهذا تحسيرٌ للمخاطب فيما انتقل عنه من موالاة العشيرة، والإبقاء على الأحوال الجامعة، وتلهيفٌ فيما انتقلوا إليه من تهييج الحرب، وبسط الأذى والشر، وتنبيهٌ على ما يتعقب أحوالهم إن استمروا عليها من التفاني والتهالك. وكان الواجب أن يقول: فطرتم تضربون وطاروا يضربون، فاكتفى بالإخبار عن إحدى الفلاقتين؛ إذ قد علم أن حال الأخرى كحالها. ومعنى طرتم: تسرعتم، كما قال:

طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا

فأضحت زهيرٌ في السنين التي مضتوما بعد لا يدعون إلا الأشائما

أنث الفعل لأن المراد بذكر زهير القبيلة بأسرها، ومعنى يدعون يسمون، كما قال ابن أحمر:

وكنت أدعوت قذاها الإثمد القردا

يريد أسمي، ولذلك تعدى إلى مفعولين، فيقول: صار أسلاف بني زهير ابن حذيفة وأخلافهم لا يسمون قديماً ولا حديثاً إلا المشائم. والأشائم: جمع أشأم. ويقال: جرت لهم طيرٌ أشائم، أي جرت لهم بالشؤم. وقال زهير:

فتنتج لكم غلمان أشأم

أي غلمان أمرٍ أشأم. وقوله " في السنين " يجوز أن يكون ظرفاً لأضحت، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله " لا يدعون ". وقوله " وما بعد " يراد به وفيما بعد فيكون ما معطوفاً على السنين. ويجوز أن يكون موضع " ما " نصباً على أن يكون معطوفاً على موضع في السنين لا على لفظه، لأن موضعه نصبٌ لكونه ظرفاً. ويجوز أن يجعل ما صلةً، كأنه في السنين الماضية وبعدها. ويجوز أن يروى: " ومن بعد لا يدعون "، وهو حسنٌ. وذكر بعضهم أن ما من قوله " وما بعد " لا يجوز أن يكون إلا صلةً وزائدةً لأن بعد لما جعل غايةً ودخله النقصان بحذف ما كان مضافاً إليه امتنع من أن يكون مبيناً على شيءٍ وخبراً عنه، وإذا امتنع من ذلك امتنع أن يكون صلةً لموصول، لأن الذي يكون صلةً من الظروف والجمل هو ما جاز أن يكون خبر المبتدأ. وليس الأمر على ما قاله، ألا ترى أن قوله ﷿: " قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف ". معناه: ومن قبل الذي فرطتم في يوسف، أي قدمتم. ويجوز أن يراد: ومن قبل تفريطكم، فيكون ما مع الفعل في تقدير مصدرٍ. وعلى الوجهين جميعاً ما في موضع رفع ومن قبل خبره. وذكر أبو إسحاق الزجاج في ما من الآية ثلاثة أوجهٍ، ما ذكرنا أحدها. وإذا

كان الأمر على هذا فما ذكره هذا القائل غير صحيح، لأني قد أريتكه بعد وهو غايةٌ خبراً، وكونه صلةً تابعٌ لكونه خبراً، فاعلمه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.