من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال المساور بن هندٍ
أودى الشباب فماله متقفروفقدت أترابي فأين المغبر
يقول: أدبر الشباب وولى، فهو فائتٌ لا يتتبع، ومطلوبٌ لا يلحق، وعدمت نظرائي وأقراني، فأين بقائي بعدهم، وكيف خلاصي مما اخترمهم وأفناهم. وهذا الكلام توجعٌ وتحسرٌ لما تقضى من شبابه، وعنفوان عمره وتقدم من أقرانه ولداته. أي إذا خلوت منهم، وصرت عائشاً في غيرهم فكم عسى أن أبقى بعدهم. ويقال غير إذا مضى، وغير إذا بقي. ويريد بالمغبر هنا البقاء، ويقال: اقتفرت الشيء وتقفرته، إذا تتبعته.
وأرى الغواني بعدما أوجهنيأعررضن ثمت قلن شيخٌ أعور
الغواني: جمع غانيةٍ، وهي التي تستغني بزوجها عن الرجال، وقيل هي التي تستغني بمحاسنها عن التزين بالحلى. وقال أبو عبيدة: هي المتزوجة، وأنشد لجميل بن معمرٍ:
حبت الأيامى إذ بثينة أيمٌفلما تغنت أعلقتني الغوانيا
وأنشد ابن الأعرابي:
أزمان ليلى كعابٌ غير غانيةٍ
والشاعر يقول متشكياً من الشيب المعتاض من الشباب، ومن الضعف التابع لصحة الجسم، ومن السقوط والانحطاط بعد الجاه عند الغانيات: أرى النساء بعدما كن يجعلن لي عندهن جاهاً أعرضن عني واطرحنني، وأبدلنني بالحمد ذماً، وبالتسمية تلقيباً ونبزاً، فمتى ذكرت عندهن قلن هو شيخٌ أعور. وقوله " أوجهنني " من الوجاهة: المنزلة. يقال وجه وجاهةً، ووجهني السلطان وأوجهني: جعل لي جاهاً ومنزلة.
ورجلٌ موجهٌ ووجيهٌ. وقوله " شيخٌ " ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقد مضى القول في التاء من ثمت وربت، وأنه علامة التأنيث للقصة. وجعلت تاءً مفتوحة فرقاً بينها وبين التي تلحق الفعل والاسم.
ورأين رأسي صار وجهاً كلهإلا قفاي ولحيةٌ ما تضفر
يقول مستمراً في تكلف الجزع إتر ما تولى من الشباب، وباسطاً معذرة النساء فيما استحدثن له: رأينني قد صلعت وانحسر الشعر عن رأسي حتى صار كله كوجهي، وإلا قفاي فإن به نبذاً من الشعر، وإلا لحية لا تقام مقام الذؤابة في الضفر والتجمل. فقوله " لحيةٌ ما تضفر " تحسرٌ على ما عدم في رأسه من الضفائر وإن كانت اللحية لم يعتد ضفرها. وقوله " كله " ارتفع على أنه توكيدٌ المضمر في صار، أو على أنه اسم صار، أو على أنه يرتفع بفعله وفعله ما دل عليه قوله " وجهاً " كأن المراد توجه كله، ويكون كقولك رأيت زيداً قيسياً أبوه، أي تقيس أبوه، ومررت بسرجٍ خز صفته.
ورأين شيخاً قد تحنى صلبهيمشي فيقعس أو يكب فيعثر
يقول: ورأين شيخاً منحني الصلب، محدودب الظهر، يمشي مشية القعسان إذا استمر في المشي، أو يتعثر فيسقط لوجهه. وكان الواجب أن يقول: أو يعثر فيكب، لأن العثار قبل السقوط للوجه، لكنه لم يبال بتغيير الترتيب، لأمنه من الالتباس، وهذا دون ما يجيء في كلامهم من القلب، مثل قوله:
كما أسلمت وحشيةٌ وهقا
وكقول امرئ القيس:
كما زلت الصفواء بالمتنزل
ويقال: قعس يقعس، إذا صار أقعس خلقةً فيه، وقعس يقعس قعساناً إذا مشى مشية الأقعس تكلفاً، ومثله عرج يعرج وعرج. ويقال: أكب زيدٌ فلا يتعدى؛ وكبة الله لوجهه، وهذا على العكس مما عليه أكثر الأفعال. ومثله أقلع الغيم وقلعه الله.
لما رأيت الناس هروا فتنةًعمياء توقد نارها وتسعر
إنما قدم ما اقتصه من ضعفه وكبرته، ليري العذر فيما يعجز عنه من النهوض في الفتنة التي ذكرها، فيقول: لما وجدت الناس قد كرهوا ما ترددوا فيه من فتنةٍ لا يهتدي لوجهها، ولا يقتدر على كشفها، تستعر نارها وتتلهب، ويبتعث شرها فشتمل. ويعني بهذا فتنة ابن الزبير وعبد الملك. وجواب لما منتظرٌ، وهو هنا محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: انقبضنا عن النهوض فيها والحراك، لننظر ماذا تكون. والفتنة العمياء: التي لا يهتدي فيها لوجه أمرٍ، وفصلٍ شأن. والتعمية: التلبيس. ويقال: هو في عميانه، أي عماه، مصدرٌ كالطغيان.
وتشعبوا شعباً فكل جزيرةٍفيها أمير المؤمنين ومنبر
شعبت يكون بمعنى جمعت وبمعنى فرقت. ويقال التأم شعبهم، إذا اجتمعوا بعد تفرقٍ؛ وتفرق شعبهم، إذا تبددوا بعد تجمع. والشعبة: الطائفة، وجمعها شعبٌ. يقول تفرق الناس فرقاً، فصار الاختلاف لازماً لأهوائهم، والتباين مقترناً بآرائهم، في كل جزيرة أمير المؤمنين ومنبرٌ، يدعو إلى نفسه ويخطب على منبره لجذب الأمر إليه. وقوله " أمير المؤمنين " لفظه معرفةٌ للإضافة المعتادة في هذه اللفظة المألوفة على الحد الذي ترى، لكن التنوين منويٌ، وإذا كان كذلك كان في حكم النكرات. وإنما ساغ ذلك لأن قوله " أمير المؤمنين " يشار به إلى الحال، أي فيها أمير على المؤمنين، واسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال كانت إضافته على وجه التخفيف لا على وجه التعريف، ويصير التنوين الذي هو الأصل منوياً فيه، وعلى هذا قوله: " عارضٌ ممطرنا " لأن التقدير ممطرٌ لنا. وكذلك قوله ﷿: " هدياً بالغ الكعبة ". وعنى بذلك ابن الزبير ونظراءه ممن كان يطلب الخلافة في أيام عبد الملك بن مروان. وهذا البيت منعطفٌ بما فيه على قوله " هروا فتنةً ".
ولتعلمن ذبيان إن هي أعرضتأنا لنا الشيخ الأغر الأكبر
يقول على وجه التوعد: لتعلمن هذه القبيلة إن توجهت نحونا أنا لنا هذا الرئيس المشهور الشأن، العظيم الأمر. ويقال: عنى به زهير بن جذيمة العبسي. وقيل هو قيس بن زهير. ويروى " إن هي أدبرت ". والمعنى: إن ولت وأعرضت، فإنها ستعلم أنا نكتفي من دونهم. ويجوز أن يكون المراد بأدبرت: تركت الحق. وجواب إن في قوله: " لتعلمن ذبيان "، وقد مضى مثله.
ولنا قناةٌ من ردينة صدقةٌزوراء حاملها كذلك أزور
قوله: " من ردينة " أي من رماح ردينة، وهي امرأةٌ كانت تبيع الرماح؛ فحذف المضاف. والصدقة: الصلبة، والعرب تذكر القناة وصلابتها واعوجاجها، وأنها لا تلين ولا تقبل التقويم والتثقيف، ضاربةً بها المثل في الخلاف والإباء، والامتناع والتعسر على من يريد إكراههم، والتصعب على من يريد تليينهم أو الغض منهم. والمعنى: قناتنا لا تستقيم لمقومٍ، وحاملها لا ينقاد لمجتذبٍ. وعلى هذا قول عمرو بن كلثوم:
عشوزنةٌ إذا عمزت أرنتتشج قفا المقوم والجبينا
وقول الآخر:
كانت قناتي لا تيلين لغامزٍفألانها الإصباح والإمساء
وهذا الشاعر لم يرض بذكر القناة وما جرت به العادة من وصف اعوجاجها، حتى عقبه بقوله " حاملها كذلك أزور "، فزاد على من تقدم كما ترى، وإنما أراد التأكيد والمبالغة وتبيين قوة الامتناع على من يطلب اقتسارهم. وهذا كما يصفون المتكبر بالشوس والصعر والصيد. وقوله: " حاملها كذلك " من صفة القناة، وارتفع حاملها بالابتداء، وقد أخبر عنه بخبرين: كذلك، وأزور. وقوله " كذلك " إذا وقع هذا الموقع لا يغير، بل يكون للمذكر والمؤنث على حال واحدة. وأنشد أبو زيد:
أما أقاتل عن ديني على فرسٍولا كذا رجلاً إلا بأصحابي
والمعنى ولا كما أنا الساعة راجلاً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع