من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبو الأبيض العبسي
ألا ليت شعري هل يقولن فوارسٌوقد حان منهم يوم ذاك قفول
قوله " شعري " اسم ليت، وخبره مضمرٌ استغني عنه بمفعول شعري. وليت شعري لا يجيء إلا هكذا، كما أن لولا يجيء أبداً محذوف خبر المبتدأ الذي بعده، وقد استغني عنه بجوابه، وذلك كقولك لولا عبد الله لفعلت. وقوله " هل يقولن فوارسٌ " سد مسد مفعول ليت شعري. ومعنى الكلام ليت علمي واقعٌ: هل يقع هذا القول من الفرسان في تلك الحال؟ ومفعول " يقولن " أول البيت الثاني، وهو قوله " تركنا "، واعترض بينهما قوله " وقد حان منهم يوم ذاك فقول "، وموضعه نصبٌ على الحال، والذي تمنى علمه أنه هل يقتل، فإذا انصرف الأبطال عنه قالوا هذا القول أولاً. وتحقيق الكلام: ليتني علمت ما يقتضي هذا السؤال من الجواب، لأن ذاك يهمه لا نفس السؤال. وقوله: وقد حان منهم قفولٌ، أي رجوعٌ عن المعركة إلى ديارهم وحيهم، كأنه كان هم بالاستقبال، ووطن نفسه من مصادمة العدو، ومصادمة القتال على ما غلب اليأس من الانصراف عنهم، لتعرضه لما لا يسلم معه من يلابسه، فتكلم بذلك. وقوله " يوم ذاك " إشارةٌ إلى يوم ملاقاة الأعداء. فإن قيل: هل تقدر في الكلام بعد الاستفهام شيئاً لأنك إذا استفهمت عن شيءٍ كان ما تستفهم عنه وخلافه سواء عندك، وإلا الم تكن مستفهماً؟ قلت: معنى الاستفهام هل يقولن فوارسٌ كذا، وهل زيدٌ عندك، على " أو " أو " أم " ولولا ذلك لامتنع الاستفهام. وسنشرح الكلام فيما يقتضيه هذا الموضع في البيت الذي بعده.
تركنا ولم يجنن من الطير لحمهأبا الأبيض العبسي وهو قتيل
يقول: ليتني علمت هل يقولون في منصرفهم تركنا أبا الأبيض مصروعاً متروكاً بالعراء، تعفوه سباع الطير وتأكل من لحمه، غير مستورٍ عنها ولا ممنوعٍ منها. وقد اعترض بين تركنا ومفعوله وهو أبو الأبيض بقوله " ولم يجنن من الطير لحمه "، وموضعه نصبٌ على الحال. فإن قيل: فما المقدر بعد الاستفهام هنا من
حرفي العطف: أم، وأو، وكيف يكون معنى الكلام مع ذلك المقدر؟ قلت: المعنى على أو، بدلالة أنه يجاب مثل هذا الكلام بنعم أو لا، إذ كان المبني على ليتني علمت هل يقع ذلك منهم. فأما تقدير أم وهي عاطفةٌ فلا يصح في مثل هذا الموضع، كما لا يجوز اللفظ بها على جهة المعادلة. وقد قال أبو العباس: لا يكون أم بعد شيءٍ من حروف الاستفهام سوى الألف إلا على كلامين. وأما تقدير أم المنقطعة فبعيدٌ، لأنه لو قصد لم يكن بدٌ من ذكره وذكر المستفهم به عنه بعده. فاعلمه.
وذي أملٍ يرجو تراثي وإن مايصير له مني غداً لقليل
يقول: رب إنسانٍ يعلق طمعه بميراثي، ويرجو تحصيله بعدي، والذي يناله منه غداً - يشير إلى يوم موته - قليلٌ غير كثير. والمعنى: إني لا أذخر مالي بل أتلفه في اكتساب المحامد، فلا يكون لي تراثٌ إلا سلاحي وما لا بد للفارس منه.
وما لي مالٌ غير درعٍ حصينةٍوأبيض من ماء الحديد صقيل
وأسمر خطي القناة مثقفٌوأجرد عريان السراة طويل
نفي أن يكون له مالٌ يدخره طول حياته، ويرثه الوارث بعد مماته إلا درعه وبيضته، وسيفاً مصقولاً طبع من خالص الحديد، ورمحاً حملت قناته من الخط - وهو جزيرةٌ بالبحرين - وفرساً قصير الشعر منجرد الظهر من اللحم، مشرف الهامة، طويل القامة. المغفر: حلقٌ يتقنع بها المتسلح، وكذلك الغفارة. وقال الخليل: المغفر: رفرف البيضة. وأصل الغفر التغطية والستر. وقوله " غير درعٍ " يجوز رفعه، وهو الوجه، على أن يكون بدلاً، ويجوز النصب على الاستثناء.
أقيه بنفسي في الحروب وأتقيبهاديه إني للخليل وصول
هذا معنىً شريفٌ حسن. يقول: أحفظ مقاتل فرسي بفخذي ورجلي، وأتقي فيما يأتيني بعنقه. والمعنى: من أراد أن يصيب مقتلي جعلت بيني وبينه عنق دابتي، كما أن من أراد مقتل فرسي أجعل بينه وبينه فخذي ورجلي. ثم قال: " إني للخليل وصول " أي لا أخذله في الشدائد ولا أنتفع به إلا وأنفعه. وهذا مثلٌ. والعربي يسمى
سلاحه ومركوبه خليلاً، على ذلك ما أنشده الأصمعي، وهو:
وإني كما قالت نوار إن اجتلتعلى رجلٍ ما شد كفي خليلها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع