تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال هدبة

إني من قضاعة من يكدهاأكده وهي مني في أمان
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ليس يريد بهذا الكلام نسبة نفسه إلى قضاعة فقط، بل يريد اختصاصه بهم، وتعصبه لهم. وهذا كما يقال: أبا من فلانٍ وإلى فلانٍ، أي ابتدائي منه وانتهائي إليه، فيقول: إني منتمٍ إلى قضاعة أهوى هواها، وضلعي معها، فمن عاداها أوة نابذها عاديته ونابذته، وهي آمنةٌ من مكروهي وأذاي، إذ كنت أنعطف عليها فيما ينوبها، وأغتفر زلاتها فيما يتفق منها. وهذا الكلام في التنبيه في الاختصاص، والإبانة عن الطاعة والإخلاص، من أبلغ كلام وأكرم إيناس. ألا ترى أنه فصل ما أجمل، وفسر ما أبهم بقوله " من يكدها أكده وهي مني في أمان "؟ وهذا صفة جوارح الإنسان مع جملته وأبعاضه مع كله، بدلالة أنه يدافع من يريد إصابة أحدها، ثم هي آمنةٌ من جنايته عليها، أو على شيءٍ منها.

ولست بشاعر السفساف فيهمولكن مدره الحرب العوان
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

يقول: ليس محلي منهم وفيهم محل شاعرٍ يسفسف القريض، ثم يقف دون غايته باليد واللسان. والسفساف: ما لا خير فيه من الأفعال والأقوال: وفي الحديث: " إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها ". والعوان من الحرب: التي قوتل فيها مرةً بعد أخرى. فإن قيل: أين عجز البيت من صدره في النظام، وهلا قال بعد ما نفى عن نفسه من الشعر الركيك: ولكني شاعر المتخير الرصين؟ قلت: إنما

المراد التنبيه على فضله فيهم وطوله، وعلى كفاية بيانه، وعلى غناء سنانه. والحرب كما تقع بالضراب والطعان تقع بمجاذبة الحجاج عند النفار والفخار. وآثر أن يقول: " ولكن مدره الحرب " ليدخل تحته الأمران جميعاً. وقيل: المدره هو السيد الذي يدفع به الشر فينتظم به أمور الحرب، ويقوم بأسباب الصحاب. وذكر بعضهم أنه من دره علينا، أي طلع. وقيل إنه من درأ أي دفع، وأن الهاء فيه بدلٌ من الهمزة. ويجوز أن يكون الكلام تعريضاً بإنسان نفى عن نفسه حاله وأنبأ أن الأمر بخلافه.

سأهجو من هجاهم من سواهموأعرض منهم عمن هجاني
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

قوله " من سواهم " يتعلق من يهجاهم، وموضعه نصبٌ على الحال. ويحتمل معاني: يجوز أن يريد به مخالطاً لغيرهم؛ لأن من هذه تكون للملابسة؛ على ذلك قولهم: أنت مني فرسخين، أي أنت مخالطي. يقوله الدليل والخفير. ويكون للولاء والنصرة، على ذلك قول النابغة:

إذا حاولت في أسدٍ فجوراًفإني لست منك ولست مني
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «غشيت منازلاً بعريتنات»

فيكون معنى " من سواهم " ناصراً لغيرهم. وتكون للنسل والولادة. يقول هم من أبٍ واحدٍ وبعضهم من بعض، فيكون المعنى منتسباً إلى غير أصلهم. وعلى هذا قوله " وأعرض منهم " يتعلق من يهجاني، ويكون الكلام في موضعه ومعناه على الحد الذي بيناه. من تعرض لهم بمكروهٍ أو ذكرهم بسوءٍ فإني أدافعه عنهم، وأعارضه دونهم، وأقاتله عن تناوله منهم، ومن تعرض لي منهم فإني أعرض عنه، وأصفح عن غيه فلا أؤاخذه به، صيانةً لهم، ومحافظة على ما يجمعني وإياهم.

؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.