من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال المثلم بن عمروٍ
إنى أبى الله أن أموت وفيصدري همٌ كأنه جبل
يقول: يأبى الله ﷿ لي الاخترام وفي نفسي همٌ عظيمٌ لا أسعى في إمضائه وتنفيذه. ويعني بذلك دماً يطلبه، أو حقداً ينقضه، أو منىً من عدوه يدركه. وهذا الكلام وعيدٌ وإيذانٌ بأنه مجتهدٌ في الطلب، وراجٍ ألا يحول الأجل بينه وبين الأمل، بما عوده الله من الصنع والظفر بالمطلوب. والواو من قوله " وفي صدري " واو الحال. وموضع " كأنه جبل " صفةٌ للهم. والهم يجوز أن يكون مصدر هممت بالشيء، ويجوز أن يكون واحد الهموم.
يمنعني لذة الشراب وإنكان قطابا كأنه العسل
هذا من صفة الهم. يقول: يصدني ذلك الهم عن التلذذ بالشراب، وإن طاب وصار مزاجاً كالعسل يستحلى ولا يتكره. ومثله لأبي ذؤببٍ:
فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله
جعل ما يمزج به مزجاً. ورواية الأصمعي " مزجاً " بكسر الميم. فالمزج كالمزاج والقطاب، سماه بما يستصلح له من ذلك أو يفعل به من بعد. وإنما قال هذا لأن الواحد منهم إذا أصيب بمن يمسه أو وتر فيمن يقرب منه ويختصه، كان يعقد على نفسه نذراً في مجانبة بعض اللذات أو أكثرها، من معاقرة الشراب أو مجامعة النساء أو ما يجري مجراهما، إلى أن ينال المراد، ويحصل المرتاد. ويقال قطبت الشراب، أي مزجته. ويروى: " وإن كان رضاباً ". ويجوز أن يريد به ماء فم محبوب. ويجوز أن يريد ماءً محله في جنسه ذلك المحل من الشراب.
حتى أرى فارس الصموت علىأكساء خيلٍ كأنها الإبل
حتى تعلق إن شئت بقوله أبى الله، وإن شئت تعلق بيمنعني، والتقدير في الوجهين: يأبى الله موتي حتى أرى هذا الأمر، أو يمنعني الهم الالتذاذ بالشراب حتى
أراه وأشاهده. والصموت: اسم فرسه. ويعني بفارسه نفسه. وأكساء الخيل: أدبارها. ويقال هو يكسؤه ويدبره ويذنبه، أي يكون في أثره. وحكى الخيل أكسأته الخيل. والمعنى: لا يكون ذلك حتى أرى نفسي تركض في أدبار خيلٍ منهزمةٍ وتسوقها، كما تساق الإبل. وقيل شبهها بالإبل في عظم خلقها وإشرافها. والكلام على هذا يراد به خيل مخصوصةٌ بتوعدها ويعين عليها.
؟ لا تحسبني محجلاً سبط ال - ساقين أبكي أن يظلع الجمل هذا توعدٌ وتعريض بالمخاطب. المحجل، يجوز أن يكون مأخوذاً من الحجل الذي هو القيد، ومن الحجل الذي هو الخلخال، ويجوز أن يكون من الحجلة. والمعنى: لا تظنني إنساناً مترفاً منعماً لا غناء عنده، ولا كفاية لديه، ولا رأي يستند إليه، ويعول في المهمات عليه، فهو في العجز كالممنوع المقيد، وكالمرأة المخلخلة، وكالمخدر الملازم للحجال والفرش يجزع - لضعف نهوضه، وسقوط قواه، وسوء بصيرته - من ظلع جمله فضلاً من غيره. وقوله " أبكي أن يظلع الجمل " صرف الكلام إلى الإخبار عن نفسه، ولو قال " يبكي أن يظلع " لترك الاستمرار في صفة المحجل جارياً على حده، غير متحول عنه، وكان الكلام أحسن في قران النظم.
إني امرؤٌ من تنوخ ناصرهمحتملٌ في الحروب ما احتملوا
قوله " من تنوخ " أي أنتسب إليها، وأهوى هواها. و " ناصره " نكرة لأن إضافته إضافة تخفيف لا إضافة تعريف، والتنوين منويٌ فيه، أراد: ناصرٌ له. وقوله: " ما احتملوا " أراد: ما احتملوه، فحذف المفعول لطول الصلة. والمعنى: إني مخالطهم وناصرٌ لهم، وصابرٌ على ما يصبرون عليه، وناهضٌ تحت العبء الذي ينهضون فيه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع