من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الربيع بن زيادٍ العبسي
حرق قيسٌ على البلا - د حتى إذا اضطرمت أجذما
يقول: ألهب قيس بن زهير البلاد على ناراً تتوهج، فلما استعرت وتأججت هرب وتركني اصطلي بها وإنما قال هذا لأن قيساً ترك أرض العرب وانتقل إلى عمان بعد إثارة الفتن واهتياج الشر، في سبق داحس. والإجذام: الإسراع في السير، وجعله مثلاً لانزوائه ونفضه اليد مما كان لابسه وتولاه من إيقاد نار الحرب بين الفريقين.
جنية حربٍ جمتخت فماتفرج عنه وما أسلما
جنيٌ: فعيلٌ في معنى مفعول، لكنه ألحق الهاء به لأنه جعله اسماً، كما ألحق بالبنية وهي الكعبة، وبالذبيحة والنطيحة. وهذا اعتدادٌ على قيسٍ بما جناه، وتحمدٌ بما أتاه، وامتنانٌ بأنه لم يقعد عن نصرته، ولم يخذله وقت حاجته، ولم يخله للأعداء وقت إقامته، ولا ترك النيابة عنه واعتناق الأمر بعد غيبته، بل نهض في الشر والقتال ما اتصل نهوضه، وتفرد بالدفاع عنه عند فتوره ونفوره. وقوله " فما تفرج عنه "، أي ما تفرق عنه ولا تكشف.
غداة مررت بآل الرباب تعجل بالركض أن تلجما
أقبل يخاطب بعد ما كان يخبر، على عادتهم في تصاريف كلامهم، وقوله " غداة مررت " ظرفٌ لما دل عليه أجذما. أي هربت في ذلك الوقت والأوان. و " تعجل " في موضع الحال. والمعنى: اجتزت بآل هذه المرأة مستعجلاً بركض الأعداء في أثرك، حتى لم تتسع لإلجام دابتك، ولم تأمن ريث إصلاح أمرك، والتهيؤ لنجاتك. وقوله " أن تلجم " في موضع النصب من تعجل، وكان الواجب أن يقول تعجل بالركض عن أن تلجم، فحذف الجار ووصل الفعل فعمل. وفي القرآن: " وما أعجلك عن قومك يا موسى ".
؟ وكنا فوارس يوم الهري - ر إذ ما سرجك فاستقدما يوم الهرير معروف. وإنما قال كنا فرسان هذا اليوم، لما كان عرف من جميل بلائهم، وحسن ثباتهم فيه ووقائهم، وليذكر بتبريزهم حين نكصوا على أعقابهم، وقصروا عن شأوهم. وذكر ميل السرج مثلٌ، وقول جرير يشهد لذلك
ويكشفه، حين قال:
قل للجبان إذا تأخر سرجههل أنت من شرك المنية ناج
والمراد اضطراب الأمر وفشل الرأي وتمكن الخوف والدهش من المنهزم، ونزوله عما يهم بركوبه. وفي طريقته قول الآخر:
لا تجعلونا إلى مولى يحل بناقد الجزام إذا ما لبده مالا
وكما جعل الحزام مثلاً لتدارك الأمر وتلافي فاسده على الوجه الذي تراه، جعل ترك شد الحزام عند ما يطرق أو ينوب مثلاً للتحزم والتجمع قبل نزول الخطب، حتى إذا بدت أعناقه لا يحتاج إلى استئناف شيءٍ لتمام أهبته. وعلى ذلك قول امرئ القيس:
أقصر إليك من الوعيد فإننيمما ألاقي لا أشد حزامي
فتأمل ما فتحنا مبهمة تنل كل فائدةٍ، وتظفر بكل غنيمة. ويقال: استقدم بمعنى قدم، وفي ضده استأخر بمعنى تأخر. والمعنى: كنا فرسان هذه الوقعة في هذا اليوم المشهور، حين كنت للشر معوراً، وعلى شفا البلاء موفياً.
عطفنا وراءك أفراسناوقد أسلم الشفتان الفما
يقول: تعطفنا عليك في ذلك الوقت، ودافعنا دونك، وقد كشرت الأسنان وأسلمتها الشفاه، تقلصاً عنها ويبوسةً حادثةً فيها. وذكر الفم كنايةٌ عن الأسنان؛ كما يقال فض الله فاه. ويقال في هذا المعنى ذبت الشفاه. ومثله قول عنترة:
إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
والواو من قوله قد أسلم الشفتان واو الحال. والاستعارة بإسلام الشفتين في نهاية الحسن.
إذا نفرت من بياض السيوف قلنا لها أقدمي مقدما
يقول: إذا جبنت خيلنا وحادت عن تلألؤ السيوف وبريق الشمس وشعاها في السلاح، وهرير الأبطال وتداعيها، أكرهناها على الإقدام. وذكر النول ها هنا كنايةٌ عن الفعل، وهذا كما يقال قال برأسه كذا، إذا حركه، وقال بسوطه، إذا أشار به. والمقدم والإقدام بمعنىً. وحقيقة الكلام إذا نفرت قدمناها تقديما.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع