من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الشنفري
لا تقبروني إن قبري محرمٌعليكم ولكن أبشي أم عامر
يقال: قبرت الإنسان، إذا دفنته؛ وأقبرته إذا جعلت له موضع قبرٍ، وفي القرآن: " ثم أماته فأقبره ". والشاعر كأنه نبه بهذا الكلام على أنه ممن يقتل ويترك بالعراء لا يرثي له شقيق، ولا يرثه نسيبٌ ولا رفيقٌ، فيأتيه عوافي السباع والطير. فخاطب أصحابه وقال: لا تدفنوني إن دفني محرمٌ عليكم، يريهم استغناءه عنهم حياً وميتاً، ورفعة نفسه عن الاستنامة إليهم والاعتماد عليهم، وذهابه عنهم فعل المجانب لهم، البعيد منهم. ثم قال " ولكن أبشري أم عامر "، أي ولكن الضبع تأكل لحمي فأبشري أم عامر، جعله كما هو لقب الضبع. وموضعه من الإعراب مبتدأ والخبر محذوفٌ، وهو يأكلني وتتولى أمري ونحوه. وهذا في أنه جملةٌ جعلت لقباً وفي أن شرطها أن تحكى، كتأبط شراً وما أشبهه. وإنما جعلت لقباً لها لأن العادة في اصطياد الضبع أن يقصد وجارها ويحفر وهي تتأخر شيئاً شيئاً. والصائد يقول: أم عمرٍ ليست ها هنا؟ أبشري أم عامرٍ بشاءٍ هزلى، وجرادٍ عظلى؛ خامري أم عامر ليست ها هنا؟ فلا يزال يحفر الوجار، ويكرر هذا الكلام؛ والضبع تتأخر حتى تبلغ أقصى وجارها فتخرج حينئذٍ بأغلظ عنفٍ. ولما كان الأمر على هذا في اصطيادها لقبها ببعض ما تخاطب به في تلك الحال، فكأنه قال: لا تقربوني إذا مت فقد حرمت دفني عليكم، ولكن الذي يقال له أبشري أم عامرٍ ولي أمري دونكم. فهذا وجهٌ حسنٌ إليه يذهب الحذاق من أصحاب المعاني. وحكى سيبويه عن الخليل في
قول الأخطل:
ولقد أبيت من الفتاة بمعزلٍفأبيت لا حرجٌ ولا محروم
أنه قال أبيت الذي يقال له لا حرجٌ، فحكى. ثم قال: يقويه في ذلك قول الأخطل:
على حين أن كانت عقيلٌ وشائظاًوكانت كلابٌ خامري أم عامر
لأنه أراد كانت كلابٌ التي يقال لها خامري أم عامر، فحكى ذلك الكلام وكنى به عن الضبع. ويحتمل أن يكون البيت على كلامين، كأنه قال: لا تدفنوني، مخاطباً أصحابه ورفقاءه، وليس يريد نهيهم عن ذلك؛ ولكن يريد كشف حاله لهم، وبيان عاقبة أمره فيهم. ثم أقبل على الضبع فقال: أبشري يا أم عامرٍ، فإنك تأكلين مني. ويكون هذا في تحويل الكلام عن شيءٍ إلى آخر، كقول الله ﷿: " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين "، فاعلم ذلك تنتفع به إن شاء الله. ويقال بشرته فأبشر، كما يقال فطرته فأفطر. ويقال بشرته بالتخفيف بمعنى بشرته، فاستبشر. وحكى أبشرته أيضاً.
إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثريوغودر عند الملتقى ثم سائري
إذا ظرفٌ لقوله تقبروني، أو لما دل عليه اللفظ والحال، وقد جعل خبراً للمبتدأ الذي بعد لكن، وهو قوله أبشري أم عامر من يأكلني أو يتولى أمري. ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله أبشري في القول الثاني. وإنما قال " وفي الرأس أكثري " لأن الحواس خمسٌ، وأربعٌ منها في الرأس: البصر للمرئيات، والأذن للمسموعات، والأنف للمشمومات، والفم للمذوقات. وقد اعترض به بين المعطوف والمعطوف عليه، وساغ ذلك لأنه يسدد المعنى المطلوب ويؤكده. وقوله " وغودر عند الملتقى ثم سائري "، يروى بفتح الثاء ويكون ظرفاً وإشارة إلى المعركة ومزدحم الناس. والتقدير وغودر ثم سائري حيث التقى القوم بعد أن حمل رأسه لشهرته، أو ليعلم به إيتان القتل عليه. ويروى " ثم " بضم الثاء ويكون حرف العطف عطف به سائري على المضمر في غودر، والمعنى غودر رأسه ثم سائره حيث التقى القوم للنظارة.
والأولى أجود. وإنما ضعفت هذه لأن عطف الظاهر على المضمر المرفوع ضعيفٌ حتى يؤكد. وتأكيده: وغودر هو عند الملتقى ثم سائره. ويجوز أن يكون سائري في موضع النصب معطوفاً على رأسي، كأنه احتملوا رأسه ثم سائره، فيكون أقرب. وكان الشنفري أحد الخلعاء الذين تبرأ عشائرهم منهم وأسلموا بجرائرهم، ولهذا قال في نفسه:
طريد جناياتٍ تياسرن لحمهعقيرته لأياً يما حن أول
ومن أجل ذلك كشف القناع مع قومه، وأخذ يتفادى منهم ويقول: لا تقبروني إن قبري محرمٌ عليكم. فإن قيل: أين جواب إذا؟ قلت: إن جعلته ظرفاً لقوله لا تقبروني فذاك جوابه، وكذلك إن جعلته ظرفاً للخبر المقدر. والسائر: الباقي من الشيء، وهو من السؤر، وأسأرت في الإناء.
هنالك لا أرجو حياةً تسرنيسجيس الليالي مبسلاً بالجرائر
أشار بقوله " هنالك " إلى الوقت الذي يتناهى فيه الأمد، ويدنو فيه الأجل، لا إلى الوقت الآني بعد القتل، وهو ظرفٌ للا أرجو. والمعنى: في ذلك الوقت لا أطمع في حياةٍ سارةٍ لي، وأنا مخذولٌ مسلمٌ بجرائري في القبائل، لا يرى إلا شامتٌ بي، أو طالبٌ للانتقام مني. وقوله " سجيس الليالي " يراد به امتداده وسلاسته في الاتصال وهو اسم الفاعل من سجس. وقد أحكمنا القول فيه في كتابنا الأزمنة. وهو ظرفٌ لقوله مبسلاً بالجرائر. وانتصب مبسلاً على الحال. والجرائر: جمع الجريرة. وأبسلوا: أسلموا. وفي القرآن " ألئك الذين أبسلوا كسبوا ".
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع