تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال شماس بن أسود

أغرك يوماً أن يقال ابن دارمٍوتقصى كما يقصى من البرك أجرب

لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى التوبيخ والتقريع. ويقال غره، إذا غشه وختره بما يجب السكون إليه والإيمان به. ويقال: ما غرك مني، أي لم وثقت بي؟ وما غرك بي، أي لم اجترأت علي؟ وما غرك عني، أي لم غفلت عني؟ فيقول: اغتررت بقول الناس فيك هو ابن دارمٍ وإن أخر منزلتك، وأقصيت في نفسك كما يقصى البعير الجرب من البرك مخافة الإعداء، وكان حكم مثلك ألا يقنعه فخامة الذكر مع سقوط القدر، ولا يسكن من الناس إلى تسميتهم إياه بأحب أسمائه إليه وهذا فعلهم به. قوله " ابن دارمٍ " يجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوفٌ، وأن يكون خبراً والمبتدأ محذوف، والمضمر في الوجهين أنت أو هو. ويقال بعيرٌ جربٌ وأجرب، والبرك: جمع باركٍ، كتاجرٍ وتجرٍ.

قضى فيكم نوسٌ بما الحق غيرهكذلك يخزوك العزيز المدرب

نوس هذا المذكور كان له جارٌ، واهتضمه ابن دارمٍ واستاق ماله، فلما جاء الصريخ نوساً ذهب في أثر ابن دارمٍ وارتجع مال جاره منه، وسلبه ما صحبه من مال نفسه، وأبان يده منه بضربةٍ تناوله بها، فلهذا قال: حكم فيكم نوسٌ عند الانتقام لجاره منكم بحكومةٍ جائرة خارجةٍ عن الاقتصاد إلى الاشتطاط. ثم قال " كذلك يخزوك " أي يسوسك الرجل الجلد العزيز المجرب. وهذا الكلام، أعني كذلك يخزوك، يجري مجرى الالتفات، كأنه التفت إلى غيرهم فخاطبهم مبكتاً لهم ومقرعاُ بذلك. ولا يمتنع أن يكون صرف الكلام عن خطاب الجماعة وأقبل يخاطب الواحد. ويقال خزاه يخزوه، إذا كفه عن المكروه وحبسه على مر المراد. قال لبيد:

واخزها بالبر لله الأجل

فأد إلى قيس بن حسان ذودهوما نيل منك التمر أو هو أطيب

يخاطب ابن دارمٍ متوعداً ومعيراً، ويقول: اخرج مما في ذمتك من ذود قيس بن حسان إليه، وحالك إذا رمت ظلم غيرك أن ما ينال منك كالتمر في الحلاوة أو أطيب. والمعنى: إن تعرضك لأخذ مال قريبٍ منك أو بعيدٍ عنك، مع ضعف المنة في سقوط العزة، ولا يجدي عليك نفعاً، ولا يسوق إليك غنماً، فازهد فيما عندك له، ورده قبل أن تستوبل عاقبته، وتستوخم مغبته. والواو من قوله " وما نيل "، واو الحال، كأنه قال أده وأنت إذا أكلت مستطابٌ. وقوله " أو هو أطيب " أي أطيب من التمر. والحذف من الخبر جائزٌ، وقد مضى مثله. وأو هي أو الإباحة، وقد نقل إلى الخبر.

فإلا تصل رحم ابن عمرو بن مرثدٍيعلمك وصل الرحم عضبٌ مجرب

يقول: إن لم تصل رحمك مختاراً له، ومعفياً أثر العقوق به، ومزيلاً عن نفسك سمة الجاهل الذي يدخل فيما لا يمكنه الخروج منه، والآكل ما لا يقدر على استمرائه، علمك صلة الرحم والخروج من الحقوق، سيفٌ قاطعٌ لا يبقي عليك ولا يالو تأديبك. وفي طريقته السائرة قولهم: " الطعن يظأر "، ومن الشعر قول زهيرٍ:

ومن يعص أطراف الرماح فإنهمطيع العوالي ركبت كل لهذم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.