من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سعد بن مالكٍ
يا بوس للحرب التيوضعت أراهط فاستراحوا
اللام من قوله " يا بوس للحرب " دخلت لتأكيد الإضافة في هذا الموضع، وهي إضافةٌ لا تخصص ولا تعرف. وهذه اللام لا تجيء على هذا الحد إلا في بابين: أحدهما باب النفي بلا، وذلك منه في قولك لا غلامى لك ولا أباً لك وما أشبههما، والثاني باب النداء في قولك يا بوس للحرب، وإنما المعنى يا بوس الحرب. ألا ترى
أنه لو لم يرد الإضافة لنون يابوس في النصب، لكونه نكرةً، أو كان يجعله معرفةً مبينةً على الضم. وقد أتى الشاعر في باب النفي على أصله في الإضافة فقال:
أبالموت الذي لا بد أنيملاقٍ لا أباك تخوفيني
والذي يدل على أن هذه الإضافة لا تخصص أن لا قد عمل معها، وهو لا يعمل إلا في النكرات. ومعنى البيت أنه على وجه التعجب دعا بوس الحرب التي حطت أراهط وأذلتهم حتى استسلموا للأعداء، وألفوا وضع الحرب، وحالفوا الراحة، وآثروا السلامة. وهذا الكلام فيه مع القصد إلى التعجب تهكمٌ وتعبيرٌ؛ كأنه أراد: ما أبأس الحرب التي فعلت ذلك. وقوله " فاستراحوا " فيه تهكمٌ وبيانٌ لاستغنامهم ذلك، وميلهم إليه؛ كأنهم عدوا نفض اليد من مجاذبة الأعداء ومراقبتهم والاحتراز من مكايدهم، لظهور عجزهم، وتصورهم بصورة من لا يحتفل له، ولا يستظهر عليه، ولا يتقى منه - سلامةً وراحةً، وإن كان سقوطاً ومهانةً. وكل ذلك لخروجهم عن ملكة العزة، واطراحهم قناع الحمية. وأراهط جمعٌ، يقال رهطٌ وأرهطٌ وأراهطٌ. والرهط يقع على ما دون العشرة - ولذلك جاز أن يضاف ما دون العشرة من أسماء الآحاد إليه - وفارق الخيل والغنم والإبل.
والحرب لا يبقى لجامحها التخيل والمراح
يقال: جحمت النار فهي جاحمةٌ، إذا اضطرمت؛ ومنه الجحيم. وهذا الكام جارٍ مجرى ما قبله، وفيه إزراءٌ بالذين ذكرهم، وإيهامٌ بأنهم كانوا أصحاب خيلاء وبطرٍ، ومراحٍ ونزقٍ، فلم تثبت أقدامهم عند اللقاء، ولا صبرت أنفسهم أوان الكفاح، فقال معرضاً: لا يبقى لنار الحرب كبرياء المتكبرين، ولا نشاط المرحين، بل يستبدلون بهما اللين والكسل، والانخزال والفشل، والصبر على الامتهان، والاستسلام عند الامتحان. وقوله " لا يبقى لجاحمها التخيل " يجوز أن يريد به صاحب التخيل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وحينئذٍ يكون البدل في إلا الفتى - وهو أول البيت الذي يليه منه، وجه الكلام ومختاره؛ لأن الثاني يكون
من الجنس الأول، وفي الوجه الأول لا يكون من جنسه، والاختيار في المستثنى بعده النصب.
إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح
قوله " إلا الفتى " ارتفع على أنه بدلٌ من التخيل، وهذا لغة تميم، ولغة سائر العرب النصب فيما كان استثناءً خارجاً وإن كان جائياً بعد النفي، لأن كونه ليس من الأول يبعد البدل فيه. والنصب كان جائزاً على كل وجهٍ. والنجدات: الشدائد. والصبر أصله الحبس، وفعالٌ بناء المبالغة، ولا يجوز أن يكون اسم الفاعل من صبر، لأن اسم الفاعل من صبر مصبرٌ. يقول: لكن لا يبقى لملابسة الحرب والصبر على شدائدها إلا الفتى الحسن الثبات في الكرائه، والفرس الصلبة على الجراء. ويقال فرسٌ وقاحٌ، وحافرٌ وقاحٌ، وهو وقح الوجه؛ ومصدره القحة.
والنثرة الحصداء والبيض المكلل والرماح
عدد الآلات التي يحتاج إليها الفتى الصبار في النجدات عند مراس الحرب، ودفاع الشر. فالنثرة: الدرع الواسعة المحكمة السرد، ويقال فيها النثلة باللام أيضاً. والحصداء: الجدلاء، ومصدره الحصد. يقال حصد يحصد حصداً، وأحصدته وهو محصدٌ. يقال ذلك في الأوتاد والحبال والدروع إذا أحكمت وفتلت. ويقال هو حصيدٌ ومستحصدٌ أيضاً. وقوله " البيض المكلل " يعني بالمسامير، كأنها غشيت وسمرت. والمعنى إنما يبقى على صلاء الحرب ومزاولتها من كان في نفسه يرجع إلى قوةٍ وجلدٍ، ومن صبره يعتمد على أبلغ أمدٍ، ومن سلاحه يثق بأتم عددٍ. ولم يصف الرماح، ويعني أقومها لا محالة.
والكر بعد الفر إذكره التقدم والنطاح
بين ما يحتاج إليه الصبار من الأفعال في الحرب، كما بين الآلات التي من شرطه استصحابها فكأنه قال: ويبقى لجاحمها الكر بعد الفر في وقتٍ يكره فيه الإقدام والتقدم، والنطاح والتجرد. ويعضهم يروي هذا البيت في غير هذا الموضع، والصواب هذا الترتيب. وجعل النطاح بين الكباش مثلاً للمبالطة بين الفرسان.
وتساقط التنواط والذنبات إذ جهد الفضاح
هذا ينعطف على قوله وضعت أراهط فاستراحوا. يقول: وتساقط الدخلاء والهجناء الذين نيطوا بصميم العرب فلم يكونوا منهم. والتنواط مصدرٌ في الأصل، كالترداد والتكرار؛ وكأن المراد ذوو التنواط؛ فحذف المضاف وأقيم الضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكون وصف به كما يوصف بالمصادر. وذكر بعضهم أن التنواط ما يعلق على الفرس من إداوةٍ وغيرها؛ لأن كل ذلك قد نيط به، ثم أطلق تشبيهاً على الدخلاء. وقد استعمل هذه اللفظة في الدعي، فقيل: هو منوطٌ. وقال الشاعر:
وأنت دعيٌ نيط في آل هاشمٍكما نيط خلف الراكب القدح الفرد
فعلى هذا يجوز أن يريد بذوي التنواط الأدعياء. وقوله الذنبات، يريد التباع والعسفاء. ويقال الذنائب والأذناب أيضاً. وكما قيل هذا تشبيهاً بذنابة الوادي، قيل في الرؤساء الذوائب، لأنهم الأعلون. وذكر بعضهم أن الذنبات لا يقال في الناس، وإنما يقال لهم أذناب، ثم أنشد:
قومٌ هم الأنف والأذناب غيرهمومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
ومن حيث جاز الأذناب واستعارتها جاز استعارة الذنبة والذنابة والذنائب والذنبات، ولا فصل. وقوله " إذ جهد الفضاح " معناه بلغ بالفضيحة جهدها ولم يرض بالعفو منها. وفي الوقت الذي أشار إليه، لا يثبت إلا من يرجع إلى كرمٍ متناهٍ، وحرصٍ على المحافظة على الشرف بالغٍ.
كشفت لهم عن ساقهاوبدا من الشر الصراح
أخذ يقتص ما جرى عليهم. وقوله " كشفت لهم عن ساقها " مثلٌ يضرب لشدة الحرب، وإنما أهلها في ذلك الوقت يكشفون عن الساق، فجعل الفعل لها، والمراد انكشفت الحرب لهم عن تشمر أهلها واشتدادها. وقد قيل: الساق اسمٌ للشدة، وفسر عليه قوله تعالى: " يوم يكشف عن ساقٍ " فقيل: المعنى يوم يكشف عن شدة. وكذلك كشفت الحرب عن ساقها، معناه أبرزت عن شدتها. وقوله " وبدا من الشر الصراح " أي الخالص الذي لا يمتزج به خيرٌ ولا يرجى بعده صلاحٌ.
ويقال: صريحٌ وصراحٌ، كما يقال طويلٌ وطوالٌ، وعريضٌ وعراضٌ. ويقال: صرحت الخمرة، إذا انكشفت عنها زبدتها.
فالهم بيضات الخدور هناك لا النعم المراح
أقبل يصف ما امتحنوا به في الحرم إذا ترك حديث المال والبلاء في النفوس. وقوله " فالهم بيضات الخدور " يجوز أن يراد به ما يهتم له في ذلك الوقت: الحرم والنساء المخدرات اللاتي كأنهن بيضٌ مكنونٌ صيانةً وجمالاً، لا الإبل المراحة من مراعيها. كأنه سمى ما يهتم له هماً. ويجوز أن يكون المعنى ما يهم به: النساء لا الإبل. والمراد أنهم كانوا يغتنمون سباء النساء وإلحاق العار بسببهن، لا اغتنام الأموال. وتشبه المرأة بالبيض لتلملمها وزوال الحجوم عنها. وقال الخليل: بيضة الخدر هي المجارية المخدرة الجميلة. وإنما قال المراح لأن النعم مذكرٌ. ويقال سرحت الماشية بالغداة، وأرحتها بالعشية.
بئس الخلائف بعدناأولاد يشكر واللقاح
أولاد يشكر، هم من جملة من وضعته الحرب. فيقول: إذا خلفنا من لا دفاع به من الرجال والأموال، فبئس الخلائف بعدنا. جعل أولاد يشكر كاللقاح وهي الإبل بها لبنٌ في حاجتها إلى من يذب عنها، ويحامي عليها. ورواه بعضهم: " واللقاح " بفتح اللام، وهم بنو حنيفة، وكانوا لا يدينون للمولك. ويكون الكلام على هذا تهكماً.
من صد عن نيرانهافأنا ابن قيسٍ لا براح
يقول: من أحجم عن الحرب وكره الاصطلاء بنارها والصبر على بلواها، وعجز عن الثبات في وجوه أبنائها، فأنا ابن قيسٍ لا براح لي فيها ولا انحراف. ومعنى " فأنا ابن قيسٍ " فأنا المشهور بأبيه، المستغني عن تطويل نسبه. فقوله لا براح، الوجه فيه
النصب، ولكن الضرورة دعته إلى رفعها. وقال سيبويه: جعل لا كليس ها هنا فرفع به النكرة، وجعل الخبر مضمراً. ومثله:
بي الجحيم حين لا مستصرخ
كأنهما قالا: حين ليس عندي مستصرخٌ ولا براحٌ عندي في الحرب. وهذا يقل في الشعر ولا يكثر. وجعل غيره براحٌ مبتدأ والخبر مضمراً؛ وإنما يحسن ذلك إذا تكرر، كقول القائل: لا درهمٌ لي ولا دينارٌ، ولا عبدٌ لي ولا أمةٌ. إلا أنه جوز للشاعر الرفع في النكرة بعد لا وإن لم يكرر، لأن أصل ما ينفى بلا الرفع، فكأنه من باب رد الشيء إلى أصله. ويقال ما برحت من مكان كذا، أي ما زلت براحاً وبروحاً. وما برحت أفعل كذا براحاً، أي أقمت على فعله، مثل ما زلت أفعله. والبراح الأول في المكان، والبراح الثاني في الزمان، ولا بد له من خبر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع