تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال المنخل اليشكري

إن كنت عاذلتي فسيرىنحو العراق ولا تحوري
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

يستعفي من لومها وتقريعها في تبذير المال وإتلافه، وترك الادخار منه ليومه وغده؛ فيقول: إن كان دأبك إدمان عذلي، والاستمرار في توبيخي، ففارقيني وخذي طريق العراق لا ردك الله. قوله " لا تحوري " دعاء عليها، من قولك حار أي رجع. ومنه قول الناس: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور "، لأن النقصان تراجع. ويجوز أن يكون " سيري " دعاء أيضاً، كأنه قال فسيرك الله ولا ردك!

لا تسألي عن جل مالي وانظري كرمي وخيري
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

قال الخليل: الخير: الهيئة. يقول: اتركي البحث والفحص عن ذخائري ومعاظم مالي، ولكن اعلمي شرفي وكرمي وحسن هيئتي وخلقي. وقوله " وانظري " معناه واعلمي. وعلى هذا قوله تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ذلك ويتيقنونه. والعرب تضع عبارات طرق العلم في موضع العلم. يقولون: سمعت كذا، بمعنى علمته. وعلى هذا قولنا: سمع الله لمن حمده. ويقولون: ذقت الشيء بمعنى علمته وخبرته. ويقال: شممت رائحة الفضل من فلانٍ، أي علمته.

وفوارسٍ كأوار حر النار أحلاس الذكور
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

يقول: ورب فرسانٍ يشتعلون ليلاً ونهاراً، ذكاءً وحميةً، وبأساً ونجدةً، اشتعال النار، ويلزمون ظهور الذكور من الدواب اللزوم الشديد، إذ كان ذلك شأنهم ودأبهم. وجواب رب منتظر. وقوله " كأوار حر النار "، الأوار: التوهج والالتهاب، ولهذا أضافه إلى الحر. ويقال وأرت النار، إذا توهجت، ومنه الإرة. وإذا كان كذلك فالأصل في أوارٍ وؤارٌ، فإما أن يكون قد قلب، فقدم الهمزة، وإما أن يكون لين الهمزة ثم أبدل من الواو المضومة التي هي فاء الفعل همزةً، كما فعل في وقت إذا قيل أفت، فصار أواراً. وقوله " أحلاس الذكور "،

الحلس: كل شيءٍ ولي الظهر تحت الرحل. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأحلاس البسط، واحدها حلسٌ، قال: ومنه الخبر: " إذا ظهرت الفتن فكن حلس بيتك ". وأنشد:

نومت عنهن غلاماً جبساوقد تغطى فروةً وحلسا

معنى اللزوم صح الوصف به. وعلى هذا أسماء الأجناس إذا ضمنت معاني الأفعال.

شدوا دوابر بيضهمفي كل محكمة القتير
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»
واستلأموا وتلببواإن التلبب للمغير
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

قوله " شدوا دوابر "، هو جواب رب. والمعنى: رب فرسانٍ هذا صفتهم استعدوا. والمعنى استعدوا معي أولي مغيرين أو مدافعين، بأن شدوا مآخير المغافر في جيوب دروعٍ محكمة رءوس المسامير، ضيقة السرد. والدوابر، واحدتها دابرةٌ وهي المآخير، وتستعمل أيضاً في الحوافر والمخالب. ومنه قطع الله دابرتهم، لأن سباع الطيور إذا قطعت دوابرها تعطلت عن الكسب. و " استلأموا "، أي لبسوا اللؤم، وهي جمع لأمةٍ. وفعلةٌ وفعلٌ قليل، ومثله نوبةٌ ونوب. وهي من الملاءمة المطلوبة في نظم الحلق وسردها. ولما كان الواو العاطفة لا توجب شيئاً من الترتيب لم يبال بتأخير واستلأموا، وإن كان لبس الدروع مقدماً على لبس البيض، وشدوا دوابرها فيها. وقوله " إن التلبب للمغير " يجري مجرق الالتفات. والتلبب: التحزم، وقيل هو الانتطاق والتجرد. ويمكن الاستشهاد بهذا على أن الفوارس الموصوفين كانوا مغيرين.

وعلى الجياد المضمرات فوارسٌ مثل الصقور
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

الواو من قوله " وعلى الجياد المضمرات فوارسٌ " واو الحال، كأنه قال شدوا دوابر بيضهم والحال ذا. يريد: رب فرسانٍ تشمروا واستعدوا معي للغارة أو الدفاع للمغيرين، وبإزائنا خيلٌ هكذا. يقول: وعلى الجياد العتاق المسومة المصنوعة، فرسانٌ

كأنهم في حدة نظرهم وارتفاع ناظرهم وطموحهم، صقورٌ في حال ما تخلى للصيد. وسمعت من يقول. إن جواب رب لم يجيء بعد، وإنما أعاد ذكر الجياد لتباعد رب عنه بما حال بينها، وجوابه أقررت عيني من أولئك. وهذا البيت لم يدخل في الاختيار، أعني أقررت عيني.

وإذا الرياح تناوحتبجوانب البيت الكسير
ألفيتني هش اليدين بمري قدحي أو شجيري
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

أخذ يتبجح بالسخاء والتكرم، كما يتبجح بالثبات والتشجع. وهذه الفصول تفسير قوله " وانظري كرمي وخيري ". فيقول. وإذا تقابلت الرياح أوان الشتاء، ووقت الجدب والإمحال، حتى زعزعت جوانب البيت العظيم الكسور والأركان، ألفيتني هكذا. ويقال بيتٌ كسيرٌ إذا كان عظيم الكسر، كما يقال رجلٌ جسيمٌ بدينٌ، إذا كان عظيم الجسم والبدن. وكسر البيت وكسره بالفتح والكسر: جانبه. وتفسير الكسر على هذا أبلغ وأحسن من أن يجعل في معنى المهدم والمكسور. وعلى ما به فقد يفسر عليه. وقوله " ألفيتني " جواب إذا. يقول: تجدني في ذلك الوقت خفيف اليد بمسح القداح، وعند حضور الأيسار، نشيطاً في إجالتها، حريصاً على فوزها وتحمل الكلف في إدارتها. وقوله " أو شجيري " الشجير: الغريب. ويقال: نزل بينهم شجيراً، أي غريباً. وإنما قدحاً يتبرك به، فيستعار من الغير، فإذا أجاله الياسر مع قداحه كان كالشجير فيما بينها والدخيل. والهش الخفيف. ويقال استهشني الشيء، أي استخفني. ومنه هو يهش إلى إخوانه.

ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء ترفل في الدمقس وفي الحرير

ذكر أن أوقاته منقسمةٌ بين الجد والهزل، وأمواله متوزعةٌ بين لوازم الحقوق، ولواحق الفضول، فيقول: ولقد أعطيت الصبي حقه، وأقمت للهوى رسمه، وسعيت في البطالة أوقاتها وأعطيت الخسارة مقاودها، فدخلت على الفتاة المخدرة في أطيب أوقات اللذة، وهو ما أشار إليه بقوله " في اليوم المطير ". ثم وصف الفتاة فقال: كانت ناهدة الثديين، حسنة الخلقة، موفرة الحظ من النعمة والنعمة، فهي تتبخر في ملابس الحرير المتلونة على أجناسها المختلفة، والدمقس: الحرير الأبيض، ولهذا

قال امرؤ القيس:

وشحمٍ كهداب الدمقس المفتل

وإذا كان كذلك فقوله " وفي الحرير " ينصرف إلى سائر الألوان، ويشتمل على جميع الأجناس، فكأنه قال: ترفل في أجناس الحرير، الأبيض منها وغير الأبيض يريد أن معارضها من تلك الأجناس.

فدفعتها فتدفعتمشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفستكتنفس الظبي العقير

قوله " فتدافعت " هو مطاوعة دافعت، ومطاوعة دفعت اندفعت، إلا أنه يوضع كلٌ موضع صاحبه. فيقول: هززتها لمساعدني، وبعثتها لتسعى معي فانبعثت واسمحت وهي تمشي مشي القطاة إذا وقعت على الغدير، ومشت نحو الماء. وهذه المشية فيما يقال أحسن المشي، لأمنها وسرورها بالورود، وعجبها بالخلاء، وانتصب " مشي " على أنه مصدرٌ من غير لفظه لأن معنى تدافعت مشت، والقصد إلى التشبيه لأن المعنى مشت مشيةً تشبه تلك المشية. وسيبويه يضمر في مثل هذا الموضع فعلاً من لفظ المصدر إن وجده، وإلا قدره، ويجعل الظاهر دليلاً عليه. وقوله " ولثمتها " يريد. وقبلتها فتنفست. ومنه اللثام، لأنه في الفم كاللثام في الأنف. والمعنى أني لثمتها فلحقها من ذلك تعب، فتنفست له تنفساً كتنفس الظبي إذا عقر. ويقال إنه في تلك الحالة يتنفس تنفساً ممتداً طويلا؛ فشبه تنهدها به. ويروى. " كتنفس الظبي البهير "، والمعنى قريبٌ، لأن البهر: النفس العالي. وفي طريقة قوله " ولثمتها فتنفست " قول طرفة العبدي.

تحسب الطرف عليها نجدةًيا لقوز للشباب المسبكر
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

لأن المعنى في الموضعين التنبيه على تناهي الموصوف في النعمة والرقة.

فدنت وقالت يا منخل ما بجسمك من حرور
ما شف جسمي غير حبك فاهدئي عني وسيري
وأحبها وتحبنيويحب ناقتها بعيري

قوله " فدنت " أراد به دنو الشفقة، والتقرب بحسن العطفة، لا قرب المسافة. والمعنى: تأملت تغير لوني ونحولي، فاعتقدت أنه من ملازمة تبذل، ومقاساة تعمل، فأعارتني شفقتها وقالت: ما الذي بجسمك من حرورٍ، أي من أثر الحرور. وقد اختلف في السموم والحرور، فمنهم من جعل السموم بالنهار والحرور بالليل، ومنهم من يقول على العكس مما ذكرت. وقال الخليل: السموم الريح الحارة، ليلاً هبت أو نهاراً. والحرور: حر الشمس. وقوله " ما شف جسمي " يقول: أجبتها مبطلاً اعتقادها، ومكذباً ظنها، وراجعاً بالعتب عليها، وقلت: ما أنحل جسمي ولا أثر في لوني إلا حبك، فاسكني عني وسيري. ومعنى سيري هوني عليك الأمر. وعلى نحوٍ من هذا يحمل قول الله تعالى: " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم " إذ لم يكن ثم مشىٌ ولا انطلاقٌ. ويجوز أن يكون سيري أمراً بالسير، فقد قال فيما تقدم:

فدفعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغدير

وقوله: وأحبها وتحبني، هو بيان تطاول الألفة بينهما، وتواصل الصحبة في أيامهما، حتى صارت لامتداد الملازمة كما حصل التحاب بينهما حصل التألف بين بعيريهما، فإذا اتفق التباعد والافتراق، وتسلط على كل واحدٍ منهما الاشتياق، أقبل البعيران يتحابان، ويتجاذبان الوجد والنزاع كما يفعل المتحابان.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.