تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال باعث بن صريمٍ

سائل أسيد هل ثأرت بوائلٍأم هل شفيت النفس من بلبالها
إذ أرسلوني مائحاً بدلائهمفملأتها علقاً إلى إسبالها

أسيد أراد به قبيلةً، ولما منعه الصرف. وهذا الاستشهاد هو تصويرٌ للحال وتطرقٌ إلى الإخبار. وإنما يفتخر بأنه قتل قاتل وائل، وأدرك ثأره، لما اعتمد في طلب دمه، واعتقد أن إدراك شفاء النفوس من جهته وبه. والبلبال: الحزن. وقوله " أم هل " الاستفهام بأم دون هل، لأن أم هذه هي المنقطعة، ولا يجوز أن يكون العاطفة. لأن تلك تجيء عديلة الألف. وقوله " شفيت النفس " يجوز أن يريد به نفسه، ويجوز أن يريد به الكثرة والجنس، كأنه يريد أنه شفى الموتورين فيه، وأزال ما خامرهم من لذع المصيبة، وألم الفجيعة. وقوله " إذ أرسلوني " إذ ظرفٌ لقوله ثأرت، أو لقوله شفيت. والمائح: الذي يدخل البئر فيملأ الدلو عند قلة الماء فيها، والحاجة إلى الغرف من قعرها. وإنما جعل نفسه مائحاً لينبه على أن طلب دم الواترين كان متعسراً متعذراً، كما أن الاستقاء على الوجه الذي ذكره يكون شاقاً متعبا. فهذا وجه عدوله عن المتح إلى الميح. وقوله " فملأتها علقاً إلى أشبالها "، انتصب علقاً على التمييز. وأسبالها: أعاليها، ومثله الأصبار، وسبلة الرجل منه. واختار بعضهم أن يرويه " إلى إسبالها " بكسر الهمزة، مصدر أسبل، وليس بشيء. والمعنى: ملأت دلاءهم من دمك واتريهم. وجعل لهم دلاءً لاشتراكهم في الدم وطلبه، ولنيابته عن كل أوليائه. ولما استعار الدلاء والميح لما ذكرته كنى عن فعله وتصرفه بالملء.

وذكر بعضهم أن وائلاً المفتول هو وائل بن صريم الغبري أخو باعثٍ الشاعر، وله قصةٌ. وهي أن عمرو بن هندٍ بعثه ساعياً على بني تميم، فكان جالساً على شفير بئرٍ يجمع الصدقات، فدفعوا في صدره وأسقطوه في البئر، ثم رجموه بالحجارة حتى قتلوه، وأخذوا يرتجون على طريق التهكم والاستهزاء:

يأيها المائح دلوى دونكا

فاتصل خبره بأخيه باعثٍ، فسار في بني غبر وآلى أنه لا يمسك عن مقاتلتهم حتى يملأ دلواً من دماء بني تميم! ففعل، حتى كانت المرأة تقول: " تعست غبر، ولا سقيت المطر، ولا لقيت الظفر ". قال: فهذا معنى " إذ أرسلوني مائحاً بدلائهم "، وهذا حسنٌ، والأول محمولٌ على طرقهم وعاداتهم. ومثله قول الآخر:

مخضت بدلوه حتى تحسىذنوب الشر ملأى أو قرابا
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي، اقرأ القصيدة
إني ومن سمك السماء مكانهاوالبدر ليلة نصفها وهلالها
آليت أثقف منهم ذا لحيةٍأبداً فتنظر عينه في مالها

أقسم بمن سمك السماء، وهو الله ﷿. ومعنى سمك رفع، ومنه سمي عمود البيت المسماك. وجواب القسم في آليت أثقف، وهو خبر إن أيضاً. وقوله " ليلة نصفها " أضاف النصف إلى السماء لما كان استكمال البدر عند انتصاف الشهر في السماء، فلاجتماعهما في ظهور البدر كاملاً في السماء ساغت الإضافة بينهما، على عادتهم في إضافة الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبةٍ تحصل بينهما. وعلى هذا قول الآخر:

ضوء برق ووابله

إذ كان أضاف الوابل إلى البرق لاصطحابهما. وأبعد منه قول الآخر:

نحن صبحنا عامراً في دارهاعشية الهلال أو سرارها

وأضاف السرار إلى العشية لاعتقاده أن استسرار القمر في العشيات، كما أن طلوعه فيها. وعلى هذا الكلام في إضافة قوله " وهلالها " وإن كان إضافة الهلال إلى السماء أبين أمراً، وأقرب متصوراً. فالتقدير ليلة كماله في نصف الشهر، وليله إهلاله. و " مكانها " انتصبت على الظرف، والمعنى حلفت بالله الذي رفع السماء في مكانها بلا عمدٍ - وجعل البدر فيها كاملاً عند انتصاف الشهر، وهلالاً عند أوله في ليلتيهما - إني لا أثقف من هؤلاء القوم ملتحياً أبداً ناظراً عينه في ماله، وراجعاً من مقصده إلى أهله وداره. أي إذا ثقفته قتلته حتى لم تنظر عينه في ماله، ولم يستقر بعده في داره وقراره. وقوله " أثقف " هو الجواب، وحذف معه لا لأنه أمن التباسه بالواجب، إذ لو أراد الواجب لقال لأثقفن، فلما كانت صيغة الواجب بما يلزمها من اللام وإحدى النونين الثقيلة أو الخفيفة لم يبال بحذف حرف النفي. ومثله قول الآخر:

فقلت يمين الله أبرح قاعداًوإن ضربوا

لأن المراد لا أبرح. فإن قيل: إذا كان القسم يتناول ما ذكرت من قوله لا أثقف فما معنى قوله آليت؟ وهل يصح أن يقال إني حلفت والله لا أفعل كذا؟ قلت إن قوله آليت دخل مؤكداً للقسم على أحد وجهين: " أحدهما " أنه لما تطول الكلام باليمين وبعد ما بين إن وخبره ذكر آليت، ثم أتى بما هو الجواب، ليكون كالمعيد لليمين، والمجدد لما خاف من دروس رسمها. و " الثاني " أنه لما كان آليت لو اكتفى به مغنياً عن ذكر المقسم به صار كتكرار اليمين، فجرى مجرى قوله لو قال والله والله، وما أشبهه. فأما قوله " فتنظر عينه في مالها " فلفظه لفظ الجواب، والمعنى معنى الحال، والصفة للنكرة التي قبله، كأنه قال: لا أظفر أبداً بذي لحيةٍ إلا لم ننظر عينه في ماله. ومثله من أبيات الكتاب قول الفرزدق:

وما قام منا قائمٌ في ندينافينطبق إلا بالذي هو أعرف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»

لأن المعنى ناطقاً. فإن قيل: هل يجوز أن يكون جواباً؟ قلت لا، وذاك أن المعنى يفسد وينعكس، لأن التقدير حينئذٍ يكون لا أثقفه، فكيف ينظر؟ أي لو ثقفته لنظر، لأن في وجه الجواب يتعلق وقوع الثاني بوقوع الأول، ويمتنع بامتناعه، وفي هذا خروجٌ عما يقصده المتكلم. ومثله في باب الواو:

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثلهعارٌ عليك إذا فعلت عظيم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

لأن المعنى آتياً مثله.

وخمار غانيةٍ عقدت برأسهاأصلاً وكان منشراً بشمالها

تبجح في هذا البيت بأنه يغيث المذعورين فيؤمنهم. والغانية: التي تستغني بجمالها عن الحلي، وقد مضى القول مستقصىً فيه. ومعنى البيت: رب امرأةٍ تبرجت متبرزةً من خدرها حاسرة الرأس، مطارة القناع، منشورة الخمار، لما استولى عليها من الخوف، وامتلكها من الروع والغارة الطالعة، والخيل العادية، حتى كأن خمارها طول نهارها منشورٌ على شمالها، وهي لا تشعر أني أنا آمنتها وحفظت عليها صيانة نفسها، رددت إليها عازب عقلها حتى اختمرت وأمنت ما

كانت تقلق لها، وسترت وجهها. وإنما قال أصلاً، لأن الغارة كأنها وقعت أول النهار، ولحوقه للإغاثة والتدارك بعقبها، فحصل الأمن عشيةً. وفي طريقته لعنترة:

ومرقصةٍ دفعت الخيل عنهاوقد همت بإلقاء الزمام
وعقيلةٍ يسعى عليها قيمٌمتغطرسٌ أبديت عن خلخالها

لما قدم في البيت الأول قدم أتى في الثاني بما يضاده، ليرى أنه كما يدفع الشر والبلاء يوقعه أيضاً، حتى يكون جامعاً للضر والنفع، كافياً في الدفاع والوقاع، فيقول: ورب كريمة حيٍ، بعلها أو ذو محرمها القائم بأمرها متكبرٌ أنفٌ، يرى صيانتها عن التكشف ديناً، وحفظها عن التبذل كرماً، أنا أخرجتها من خدرها، وأحوجتها إلى العدو وطلب التملس مشمرةً عن ساقها، مبديةً خلخالها، مذيلةً مصونها. أي كما آمنت خوفت، وكما سكنت أقلقت.

وكتيبةٍ سفع الوجوه بواسلٍكالأسد حين تذب عن أشبالها
قد قدت أول عنفوان رعيلهافلففتها بكتيبةٍ أمثالها

يذكر أنه يجمع بين الجيشين العظيمين مدبراً لهما، ومرسلاً أحدهما على الآخر، وأنه على ذاك يكون المتقدم والمشاهد، والمرتب والصادم. فيقول: رب كتيبةٍ قد تعودت الغارات والصبر على الإبعاد فيها، فاسودت ألوانها بما تقاسيه من التعب، وتديم لبسه من الأسلحة، وكأنها في بأسها ونجدتها، وما تأوي إليه من قوتها وشدتها، الأسد إذا ذبت عن جرائها، ودفعت عن خيسها، أنا قدت أوائلها فخلطتها بأمثالها، وقابلتها بنظائرها من أولى العدد والعدة، والجلد والشدة. فإن قيل: لم قال " أول عنفوان رعيلها " والعنفوان هو الأول، على ذلك قولهم فعلت كذا في عنفوان الشباب؟ قلت: كأنه أراد قدت سوابق أوائلها؛ فأضاف الأول إلى العنفوان لذلك. وكما قاد الأوائل والسوابق فقد قاد الأواخر واللواحق، ولكن جعل القود لمن وليه، وجعل ما بعدهم كالتابع. يريد أنه تقدم ووطئ عقبه الأعيان والأفراد، ثم احتف بهم غيرهم. وحقيقة العنفوان اعتنفت الشيء، أي استأنفته. والرعيل من الخيل والرماح:

أوائلها. وقوله " بكتيبةٍ أمثالها "، لو قال مثلها لجاز، ولكنه جمع على معنى طوائف الكتيبة، لاختلافها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.