من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الفند الزماني
يا طعنة ما شيخٍكبيرٍ يفنٍ بال
تقيم المأتم الأعلىعلى جهدٍ وإعوال
ما من قوله " ما شيخٍ " زائدةٌ، أراد طعنة شيخٍ، وهذا اللفظ لفظ النداء، والمعنى معنى التعجب والتفخيم، كأنه أراد: ما أهولها من طعنةٍ، ويا لها من طعنة بدرت من شيخ كبير السن، فاني القوى، بالي الجسم. واليفن: الشيخ الهرم. قال الأعشى:
وما إن أرى الموت فيما خلايغادر من شارخٍ أو يفن
ويجوز في قوله يا طعنة ما شيخٍ، أن يكون المنادى محذوفاً، فيكون التنبيه ب " يا " متناولاً غير الطعنة، وينتصب على هذا طعنة بفعلٍ مضمرٍ، كأنه أراد: يا قوم أذكر طعنة شيخٍ. كما قال:
فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثلهجريرٌ ولكن في كليبٍ تواضع
وقوله " تقيم المأتم الأعلى " من وصف الطعنة، فكأنه كان تناول بها رئيساً، فلذلك وصف المأتم بالأعلى. والمأتم أصله أن يقع على النساء يجتمعن في الخير والشر، واشتقاقه من الأتم، وهو الضم والجمع، ومنه الأتوم وهي المرأة التي صار مسلكاها مسلكاً واحداً، وأراد بالمأتم هنا الاجتماع للرزيئة، وهو ببنيته مصدرٌ وصف به. ويجوز أن يراد به أهل المأتم، فحذف المضاف كما يقال جاء المجلس، والمراد أهل المجلس. وقوله " الأعلى " يراد به الأفظع شاناً. ووصف الطعنة بأنها تقيم الجمع على مجاهدةٍ وبلاءٍ، وإسرافٍ في الصياح والعواء، أي تديم ذلك له. والعويل والعولة: صوت الصدر.
ولولا نبل عوضٍ فيخضماتي وأوصالي
لطاعنت صدور الخيل طعناً ليس بالآلي
يعتذر من رضا نفسه بتلك الطعنة الواحدة. وعوض اسمٌ للدهر معرفةٌ مبنيٌ، وكما يبنى على الفتح فقد يبنى على الضم، والضم فيه حكاه الكوفيون. ويقال لا أفعله عوض العائضين. وإنما بني لتضمنه معنى الألف واللام والخضمة: ما غلظ من الساعد والذراع، ويبدل من ميمه الباء، فيقال خضبةٌ. وقد روي هذا البيت، وهو:
يذري بأرعاشٍ يمين المؤتليخضمة الذراع هذا المختلي
بالميم من " خضمة " والباء جميعاً. ويعني بنبل الدهر تأثيره في مفاصل الشيوخ. وعلى هذا قول الآخر:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرىفكيف يمن يرمى وليس برام
ومعنى البيت الأول: لولا رميات الدهر في مفاصلي ومجامع أعضائي، ومستغلظ عضدي وذراعي، لكان تأثيري وبلائي في الحرب أكثر مما كان، ولشفعت تلك الطعنة ولم أتركها وتراً. وقوله " لطاعنت صدور الخيل " أراد بالخيل الفرسان أي لولا ما قدمت من العذر لدافعت بالطعن أوائل الخيل، طعناً لا تقصير فيه ولا قصور. وخص الأوائل منهم لتقدمه. ويجوز أن يريد بالصدور الرؤساء والأكابر. وهم يتبجحون بمجاذبة العلية. ألا ترى قول الآخر:
من عهد عادٍ كان معروفاً لناأسر الملوك وقتلها وقتالها
وكما استعملوا الصدور في الأماثل والجلة استعملوا في الأرذال والسفلة الأعجاز. وهذا كما قالوا: الرءوس والأذناب، وكما قال:
ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
يقال: ألوت في الأمر آلو، أي قصرت. وجعل التقصير للطعن على المجاز.
ترى الخيل على آثار مهري في السنا العالي
ولا تبقى صروف الدهر إنساناً على حال
قوله " على آثار مهري " موضعه نصبٌ على الحال، والمعنى تابعين لي. و " في السنا " في موضع المفعول الثاني لترى، ومعنى في السنا قال بعضهم: النور العالي: يريد به بريق السلاح، كأنهم يقدمونه ويتقون به. وهذا معنىً. وأجود منه وأعلى أن يكون المعنى: ترى الفرسان إذا تبعت أثري ووطئت عقبي، في مجدٍ عالٍ قاهرٍ، له نورٌ يستضاء به. ويكون هذا في طريقة بيت الأعشى:
كلٌ سيرضى بأن يلقى له تبعا
وشرحه بأنهم يرضون برياستي عليهم، ويعدون اتباعهم لمراسمي، واحتذاءهم لآثاري مما يعلو به سناهم، ويسمو به علاهم. وقوله " ولا تبقي صروف الدهر " تسليةٌ لنفسه فيما صار إليه من ضعفٍ بعد قوةٍ، وهرمٍ بعد شبيبةٍ، حتى رضي بأدنى المنزلتين في ممارسة الحرب، ووقف عند أقصر السعيين في ملابسة الضرب والطعن. وقوله " على حال " في موضع الصفة لإنساناً، وتعلق على بمضمر، كأنه قال: لا تبقى حوادث الدهر إنساناً قائماً، أو ثابتاً على حالٍ، بل تبدل وتحول، وكما تعطي ترتجع.
تفتيت بها إذ كره الشكة أمثالي
كجيب الدفنس الورهاء ريعت بعد إجفال
الشكة: ما يلبس من السلاح، وقد شك الرجل في السلاح، إذا لبسه يشك شكاً، وهو شاكٌ. يقول: تكلفت بهذه الطعنة وإحداثها فعل الفتيان وأبليت بها بلاء الشبان، في وقتٍ يكره فيه حمل السلاح أمثالي من الرجال الشيوخ، فكيف
استعمالها. ومثل تفتيت: تشجعت وتكيست. وقوله " كجيب الدفنس " شبه اتساع الطعنة وسرعة خروج الدم منها باتساع جيب المرأة الحمقاء، ونزوها في روعها، واضطرابها في متخرق قميصها. والدفنس: الحمقاء. والورهاء: المتساقطة العقل، الضعيفة التماسك، ومعنى ريعت أفزعت بعد استعجالٍ في العدو، وإسراعٍ في السعي. وخص جيب الورهاء لأن عادة مثلها أن تخرج اليد منه، فيتسع خرقه وجعلها مروعةً لتندفع في الإجفال وتنزو. والإجفال والجفل واحدٌ، وكل هاربٍ من شيءٍ مسرعٍ مجفلٌ وجافلٌ. ومنه جاء جفالةٌ من الناس، أي جماعةٌ كثيرةٌ مسرعةٌ. ويشبه هذا قول الآخر:
مستنةٍ سنن الفلو مرشةٍتنفي التراب بقاحزٍ معرورف
لأن نزو الدم من الطعنة شبهه هذا بنزو المهر واستنانه، كما شبهه ذلك بعدو المجنونة عن ذعرٍ. وقد سلك آخر هذا المسلك فقال في معنى هذا ولفظه:
كجيب الدفنس الورهاء ريعت وهي تستفلي
ومعنى تستفلي تطلب فلي شعرها، وقد أخرجت يدها من جيبها فذعرت في تلك الحالة، فلم تصبر لترد اليد إلى جوفها، ولم ترفق بجيبها فمزقته ووسعته. وهذا كأنه لما قصد بيان سعة الطعنة جعل التشبيه بالجيب في حالة إخراج الحمقاء يدها منه مستفليةً، فزاد على الأول هذه الزيادة الغامضة المأخذ اللطيفة الموقع، وإن كان قوله " بعد إجفال " قد اختص بما اختص. ويشبه هذا في الزيادة على المعنى وقد استقر قول امرئ القيس:
أن تيس أظبٍ ببطن وادٍيعدو وقد أفرد الغزال
لأنه زاد فيه إفراد الغزال، فدل على شدة الخوف وخفة العدو. فأما قول أوسٍ: وفي صدره مثل جيب الفتا - ة تفهق جيناً وحيناً تهر
فهو وإن زاد التقسيم قاصرٌ عنهما.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع