من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سلمى بن ربيعة
حلت تماضر غربةً فاحتلتفلجاً وأهلك باللوى فالحلت
تماضر: امرأته وكانت قد فارقته عاتبةً عليه في استهلاكه المال، وتعريضه النفس للمعاطب فلحقت بقومها، وأخذ هو يتلهف عليها ويتحسر في أثرها وأثر أولاده منها، فيقول: نزلت هذه المرأة بعيدةً منك، فاحتلت فلجاً وأهلك نازلون بين هذين الموضعين. وهذا الكلام توجعٌ. وفلجٌ على طريق البصرة، والحلة: موضعٌ من الحزن ببلاد ضبة، واللوى: رملٌ متصلٌ به رقيقٌ. وبين المواضع الذي ذكرها تباعدٌ. إن قيل لم قال حلت، ثم قال احتلت، وهلا اكتفى بأحدهما؟ قلت: نبه بالأول أنها اختارت البعد منه والتغرب عنه، وبالثاني الاستقرار، فكأنه قال: نزلت في هذه الغربة فاستوطنت فلجاً. وفلجٌ بفتح اللام: موضعٌ. وفلج بسكون اللام: ماءٌ.
وكأن في العينين حب قرنفلٍأو سنبلاً كحلت به فانهلت
يقول: ألفت البكاء لتباعدها، فساعدت العينان وجادتا بإسالة دمعهما غزيراً متحلبا، واكفاً منهملاً، فكأن في عيني أحد هذين المهيجين الحاليين للعيون. وقوله " كحلت " إخبارٌ عن إحدى العينين، وساغ ذلك لما في العلم من أن حالتيهما لا تفترقان. وعلى العكس من هذا قول امرئ القيس:
وعينٌ لها حدرةٌ بدرةٌشقة مآقيهما من أخر
لأن امرأ القيس وحد في الابتداء ثم ثنى عند رد الضمير، على أنه متى اجتمع شيئان في أمرٍ لا يفترقان فيه اجتزى بذكر أحدهما عن الآخر. وفي طريقة هذا البيت قول ابن هرمة:
وكأنما اشتملت مواقي عينهيوم الفراق على يبيس الخمخم
زعمت تماضر أنني إما أمتيسدد أبينوها الأصاغر خلتي
زعم يتردد بين الشك واليقين، وها هنا يريد به الظن. وأنني مع الجزاء والجواب نائبٌ عن مفعوليه. يقول: ظنت هذه المرأة أنه إن نزل بي حادث قضاء الله ﷿، سد مكاني ورم ما يتشعث من حالها بزوالي أبناؤها الأصاغر. ويريد بهذا الكلام التوصل إلى الإبانة عن محله، وأنه لا يغنى غناءه من الناس إلا القيل. وقوله " أبينوها " تصغير أبناء مقصوراً عند أصحابنا البصريين، وهو اسمٌ صيغ للجمع كأروى، وأثأبٍ، وأضحىً فهو على أفعل بفتح العين. وعند الكوفيين هو تصغير أبنٍ، مثل أدل على أفعلٍ بضم العين. ويقال: سد فلانٌ مسد فلانٍ، وسد خلته، وناب منابه، وشغل مكانه بمعنىً. فإن قيل: كيف ساغ أن يقول يسدد خلتي، وإذا مات لم تكن له خلةٌ. قلت أضافها إلى نفسه لما كان يسدها أيام حياته، فكأنه قال: الخلة التي كنت أسدها. وهذا من إضافة الشيء إلى الشيء على المعتاد فيهما. ومثله قولهم: شهاب القذف، فأضيف الشهاب إلى القذف لما كان من رمى الرامي. ووجوه الإضافات واسعةٌ كثيرة، وكذلك متعلقاتها.
تربت يداك وهل رأيت لقومهمثلي على يسرى وحين تعلتى
أقبل عليها يوبخها ويخطئ رأيها، ويكذب ظنها، ويقبح اختيارها، في إفاتة نفسها الحظ منه، ويدعو عليها بالفقر والبأساء، والخيبة في الرجاء، فيقول: صار في يدك التراب، وهل رأيت لقومه من يماثلني في حالتي السراء والضراء واليسر والعسر، والغنى والفقر، حتى تعلقى منك رجاءك في بغيري إذا أخليت مكاني. وترب يستعمل في الفقر والخيبة لا غير، وأترب يستعمل في الغنى والفقر جميعاً، فإذا أريد به الغنى فالمعنى صار له من المال بعدد التراب، وإذا أريد به الفقر فالمعنى صار في التراب، كما يقال أسهل إذا صار في السهل. وقد يجوز أن يكون مثل أقل، والمعنى: صار مالك قليلاً من المال. وأضاق: صار في حال ضيقٍ. وقوله " حين تعلتى " المعنى وحين اعتمدت على إقامة العلة بحصول الفقر. وعلى هذا قوله:
قليل ادخار المال إلا تعلةً
أي قدر ما يقام به العلة. وقوله " لقومه " أضمر قبل الذكر، لأن الكلام يحتمل نية التقديم ونية التأخير.
رجلاً إذا ما النائبات غشينهأكفى لمعضلةٍ وإن هي جلت
انتصب " رجلاً " على أنه بدلٌ من مثلى، كأنه قال: هل رأيت لقومه رجلاً أكفى للشدائد وإن عظمت عند طروق النوائب وغشيان الحوادث مني. فحذف مني لأن المراد مفهومٌ. ويروى " أكفى لمعضلةٍ " وهي الداهية الشديدة، يقال أعضل الأمر إذا اشتد. يروى " لمضلعةٍ " وهي التي تضم الأضلاع بالزفرات وتنفس الصعداء حتى تكاد تحطمها.
ومناخ نازلةٍ كفيت وفارسٍنهلت قناتي من مطاه وعلت
أخذ يعدد ما كانت كفايته مقسومةً فيه، ومصروفةً إليه. وقوله " ومناخ " مصدر أنخت. وكفيت يتعدى إلى مفعولين وقد حذفهما، كأنه قال: كفيته العشيرة. يقول: ورب نازلةٍ أناخت، أنا دفعت الشر فيها، وكفيت قومى الاهتمام بها؛ ورب فارسٍ سقيت رمحي من دم ظهره العلل بعد النهل. وخص الظهر ليعلم أنه قد ولى وأدبر.
وإذا العذارى بالدخان تقنعتواستعجلت نصب القور فملت
أقبل يعد خصال الخير المجموعة فيه، بعد أن نبه على أنه لا يقوم مقامه أحدٌ، فكيف من طمع في نيابته عنه بعده. والعذارى: جمع عذاراء، وأصله العذاري بتشديد الياء، فالياء الأولى مبدلةٌ من المدة قبل الهمزة، كما تبدل في سربالٍ إذا قلت سرابيلٍ، فلما انقلبت المدة ياء لانكسار ما قبلها وكان الأصل في همزة التأنيث ألفا عاد إلى أصلها لزوال الألف قبلها، فأبدل منه ياءٌ ثم أدغم الأولى في الثانية فقيل عذاري، وكذلك في صحراء صحاري، ثم حذفت إحدى الياءين تخفيفاً فقيل عذارى وصحارى، ثم فروا من الكسرة وبعدها ياءٌ إلى الفتحة فانقلبت ألفاً فقيل عذارى وصحارى. ويقال: عذر المرأة وأعذرها، إذا ذهب بعذرتها، وهو أبو عذرها وأبو عذرتها. فيقول الشاعر: وإذا أبكار النساء صبرت على دخان النار حتى صار كالقناع لوجهها، لتأثير البرد فيها، ولم تصبر على إدراك القدور بعد تهيئتها ونصبها، فشوت في الملة قدر ما تعلل به نفسها من اللحم، لتمكن الحاجة والضر منها، ولإجداب الزمان واشتداد السنة على أهلها أحسنت. وجواب إذا في البيت بعده. وخص العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدة انقباضهن، ولتصونهن عن كثيرٍ مما يتبذل فيه غيرهن. وجعل نصب القدور مفعول استعجلت على المجاز والسعة. ويجوز أن يكون المراد استعجلت غيرها بنصب القدور وفي نصبها، فحذف.
دارت بأرزاق العفاة مغالقٌبيدي من قمع العشار الجلة
قوله " أرزاق العفاة " كلامٌ شريفٌ، وتقدير البيت: دارت بيدي مغالق بأرزاق العفاة من قمع العشار الجلة، ففصل بالفاعل بين الأرزاق وبين من قمع العشار. والعفاة: جمع العافي، والجمع على فعلةٍ يختص بالمعتل دون الصحيح. يقول: وإذا صار الزمان كذا دارت القداح في الميسر بيدي لإقامة أرزاق الطلاب من أسنمة النوق المسان الكبار الحوامل، التي قرب عهدها بوضع الحمل، وكل ذلك يضن بها، ويتنافس فيها، وإنما سميت القداح مغالق لأن الجزر تغلق عندها وتهلك بها. والقمع: قطع السنام، الواحدة قمعةٌ: والقميع: ما فوق السناسن من السنام. وبعيرٌ قمعٌ: عظيم القمع. ويقال سنامٌ قمعٌ، أي عظيمٌ قد تمكن فيه الشحم. والعشار: جمع عشراء، وهي التي قد أتى عليها من حملها عشرة أشهرٍ، وتستصحب هذا الاسم فتسمى به بعد وضعها الحمل بأشهرٍ. كأنه نبه على أنه يعتبط صحاح الإبل وخيارها، لا كسيرها وهزلاها.
ولقد رأيت ثأى العشيرة بينهاوكفيت جانيها اللتيا والتي
الثأى: الفساد. يقال ثأى الجرح يثأى ثأى. والرأب: العشب والإصلاح. يقول: وكما ظهر غنائي في تلك الأبواب فلقد سعيت في إصلاح ذات البين من العشيرة، ورد التعطف الذاهب عنها إليها، ولم شعثها، وضم نشرها، وكفيت من جني منها الجناية الصغيرة والكبيرة، بالمال والنفس، والجاه والعز. وقوله " جانيها " إن فتحت الياء كان واحداً وإن أدى معنى الجمع، وإن سكنت الياء جاز أن يكون جمعاً سالماً وأن يكون واحداً قد حذف فتحتها. وقوله " اللتيا " تصغير التي، فجعلهما اسمين للكبيرة من الدواهي والصغيرة، ولهذا استغنيا عن الصلة وانتقلا عن كونهما وصلتين. ويذهب بعضهم إلى أن صلتيهما محذوفتان لدلالة الحال عليهما.
وصفحت عن ذي جهلها ورفدتهانصحي ولم تصب العشيرة زلتى
وكفيت مولاي الأحم جريرتيوحبست سائمتي على ذي الخلة
قوله " وصفحت عن ذي جهلها " يصف نفسه بالحلم معهم، وكظم الغيظ فيهم، ومنع سفهائهم. يقول: وعفوت عن جاهلها فلم أؤاخذه بما بدر منه من هفوةٍ أو زلةٍ، ثم بذلت نصحي لعشيرتي، وحسنت لهم عشرتي مقدار جهدي، ولم أجر
عليهم جريرتي، ولم أوسعهم زلاتي. وقد ألم في هذا بقول الآخر:
إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمها
وفي طريقته قول الآخر:
ولو شاء قومي كان حلمي فيهموكان على جهال أعدائهم جهلي
وقوله وكفيت مولاي الأحم جريرتي "، أي لم يؤاخذوا بجرائري، بل كنت المداوي لها والخارج منها. ويروى: " الأحم إضاقتي " فيكون مثل قول الآخر:
أبو مالكٍ قاصرٌ فقرهعلى نفسه ومشيعٌ غناه
والشاعر يقول: وكما لم يشمل أباعد ذوي رهطى زلاتي، كذلك لم ينل الأداني جناياتي؛ ثم إذا نلت خيراً أشركت ذوي الحاجة منهم فيه وحبست مالي الراعية عليهم، حتى لا يتميزوا عني في التصرف والتناول. وقوله " الأحم "، يريد الأخص والأمس، وهو أفعل من الحميم، ولهذا قال الشاعر وإن كان في ضد هذا المعنى:
ومولاك الأحم له سعار
أي لهب الجوع، ومنه قولهم: كيف السامة والحامة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع