تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبي بن ربيعة

وخيلٍ تلافيت ربعانهابعجلزةٍ جمزى المدخر

ريعان كل شيءٍ: أوله، أكثر ما يستعمل في الشباب والخيل. والريع فضل كل شيءٍ، ومنه ريع الحنطة إذا زكت، وريع الدروع: فضول أكمامها على الأنامل. والعجلزة: الفرس الشديدة الخلق، وربما وصفت به الناقة. وبعضهم يحكي فيها:

عجلزةٌ، بفتح العين واللام. يقول: رب خيلٍ مغيرةٍ تداركت أوائلها طارداً للوسائق، وأنا على فرسٍ صلبةٍ تجمز فيما تذخر من جريها. وعادة عتاق الخيل أن تبقى من عدوها بقيةً لوقت الحاجة إليها، فمتى استحثت بعد الكد والعمل أعطتها. ولذلك قال كلحبة العريني:

فأدرك إبقاء العرادة ظلعهاوقد جعلتني من حزيمة إصبعا
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «فأدرك إبقاء العرادة ظلعها»

فقوله إبقاء العرادة كقوله ها هنا " المدخر ". وجمزى مثله وكرى وهو صفةٌ. وجعل الجمز لمذخور الجري على المجاز، لأن الجمز ومذخور الجرى جميعا للفرس. والحقيقة أنها تجمز في مدخر الجرى. وليس هذا كقولهم هو حسن الوجه، وكريم الأب، إذا كان الحسن والكرم في الحقيقة للأب والوجه، ولكن هو كما يقال فلانٌ ثبت الغدر، نزق المجال، قموص الخبار، وما أشبهه.

جموم الجراء إذا عوقبتوإن نوزقت برزت بالحضر

يقال بئرٌ جمومٌ، إذا كان ماؤها ينقطع ويعود سريعاً. ومعنى قوله " جموم الجراء إذا عوقبت " أي جريه يمتد ولا ينقطع إن طلب عقبها لمسابقتها فيه، فكأنه لا آخر لجريها، كالبئر الجموم. و " إن نوزقت " أي إن غولبت فيما يستنزق من سيرها سبقت بعدوها. وكما سمى آخر الجرى العقب سمى آخر الشهر به، فقيل جئت في عقب الشهر، إذا جئت بعد ما مضى، وجئت في عقبه وعقبه، إذا جئت وقد بقيت منه بقيةٌ. ويقال: عاقبت الفرس ونازقته، كما يقال طاولت زيداً وفاضلته، وذلك إذا غالبته في الطول والفضل. ومعنى برزت: تقدمت. والحضر: العدو. ويروى " عوفيت " أي إن طلب عفوها، وليس بجيد. ألا ترى أنه قيل: " أول الجرى نزقةٌ، وآخره عقبةٌ ".

سبوح إذا اعتزمت في العنانمروٍح ململمةٍ كالحجر

أراد بها أنها تسبح في جريها إذا اعتزمت في العنان، أي انتحت في العدو وهي ملجمةٌ كثيرة النشاط، مجتمعة الخلق صلبةٌ كأنها حجرٌ. والاعتزام: لزوم القصد في الحضر وغيره وترك الانثناء. وقد اعتزمت الطريق. ويقال اعتزم الفرس على الجري

إذا مر جامحاً. وقوله " في العنان " في موضع الحال، كما يقال: جاء فلانٌ في جبةٍ، أي وعليه جبةٌ. واللملمة: جمعك الشيء، وهو مثل اللم في المعنى وإن لم يكن من لفظه عندنا. ورواه بعضهم " إذا اعترمت " بالراء غير معجمةٍ، وجعله من العرام؛ وليس بشيءٍ.

دفعن على نعمٍ بالبراق من حيث أفضى به ذو شمر

هذا جواب رب إذا جعلت قوله " تلافيت ريعانها " من صفة " وخيلٍ " حملاً على ما يجيء عليه المجرور برب في الأكثر، من لزوم الوصف له؛ وقد جاء غير موصوفٍ وإن قل. وعلى هذا يكون تلافيت الجواب ودفعن من صفة الخيل. والمعنى دفعت هذه الخيل وأرسلت على إبلٍ واقفة بالبراق من حيث أداه إلى الفضاء ذو شمر، وهو مكانٌ. قوله " أفضى به " الضمير للنعم، وهو يذكر، يقال هذا نعمٌ واردٌ. والبراق: جمع برقة، وهو موضع فيه حجارةٌ بيضٌ وسودٌ؛ ومثله جبلٌ أبرق. أي لما حصل بالفضاء تلقيت بالخيل وشنت الغارة عليه.

فلو طار ذو حافرٍ قبلهالطارت ولكنه لم يطر

رجع إلى صفة الفرس لما ركضها في إثر الخيل المغيرة على النعم الذي وصفه، يقول: لو أن ذوات الحوافر جعل في قدرتها الطيران بآلةٍ تخصبها لطارت هذه الفرس، وكانت الأولى بذلك، لما فيها من النجابة والعتق، ولكن الطيران خص به ذو الجناح.

فما سوذنيقٌ على مربإٍخفيف الفؤاد حديد النظر
رأى أرنباً سنحت بالفضاءفبادرها ولجات الخمر

يقول: ما شاهينٌ واقعٌ على محرسةٍ ذكىٌ شهم النفس، بعيد النظر حديد العين، سريع الإدراك، رأى أرنباً سنحت. ومعنى سنحت عرضت، يقال منه سنحت الحاجة. والأرنب: الأنثى من الأرانب. والذكر خززٌ. والكلام بعد مشغولٌ بصفة السوذنيق. أي رأى أرنباً اتفقت بالعراء واعترضت فسابقها إلى مداخل الخمر، ثم رجع عليها في طريقها لئلا تفوته بأسرع من فرس. والولجات: جمع ولجةٍ، وهي موضع الولوج، وموضع ولجات نصبٌ على أن يكون مفعول بادرها. والخمر: ما واراك من الشجر. ويقال: بادرت مكان كذا، وإلى مكان كذا.

بأسرع منها ولا منزعٌيقمصه ركضه بالوتر

قوله " بأسرع " خبر " ما ". يقول: ما سوذنيقٌ هذا وصفه بأسرع من فرس، ولا سهمٌ بنزيه ركض الوتر به. والمنزع: السهم. ويقال: نزعت في القوس نزعاً، وانتزعت له بمنزعٍ، ونزعت، أي بسهمٍ. وفي المثل: " عاد السهم إلى النزعة " في معنى رجع الحق إلى أهله. ويقمص، أي يحرك. ويقال قمص البحر بالسفينة، إذا حركها بالموج، حتى كأنها بعيرٌ يقمص. قال:

يقمص بالبوصي معرورفٌ ورد

وإنما جعل الركض للوتر لأنه هو الذي يزج بالسهم ويدفعه فكأنه يركضه، وهذا يشبه القلب لأن الركض للوتر وقد جعله للسهم، فهو كقول الآخر:

ما أمسك الحبل حافره

وما أشبهه. ويمكن أن يترك على ظاهره، فيجعل السهم راكضاً من حيث كان راكباً للوتر. والركض: تحريك الفارس رجليه على الفرس عند الاستحثاث، وإذا كان كذلك فكأن السهم هو الذي يركض الوتر وإن كان الحفز للوتر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.