من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال جابر بن حريشٍ
ولقد أرانا يا سمى بحائلٍنرعى القرى فكامساً فالأصفرا
فالجزع بين ضباعةٍ فرصافةٍفعوارضٍ جو البسابس مقفرا
لا أرض أكثر منك بيض نعامةٍومذانباً تندى وروضاً أخضرا
ومعيناً يحمى الصورا كأنهمتخمطٌ قطمٌ إذا ما بربرا
إذ لا يخاف حدوجنا قذف النوىقبل الفساد إقامةً وتديرا
قوله " أرانا " حكاية الحال، وما يستمر ويتصل من الأفعال إذا أريد فيه الإخبار عن الماضي قد يؤتى بلفظ المستقبل فيوضع موضع بناء الماضي. على ذلك قوله:
ولقد أمر على اللئم يسبنيفمضيت ثمت قلت لا يعنيني
ألا ترى أنه قال أمر، ثم قال فمضيت ثمت قلت. كذلك هذا قال ولقد أرانا، ثم جاء في آخر الأبيات فقال: إذ لا يخاف حدوجنا قذف النوى. فإن قيل: كيف جاز أن يقول أراني وأرانا، وأنت لا تقول أضربنا ولا أضربني؟ قلت: أفعال الشك واليقين يجوز ذلك فيها وإن امتنع في غيرها، لأن تأثيراتها في المفعول الثاني من المفعولين، إذ كان الشك واليقين يتعلقان به لا بالأول، فصار لذلك المفعول الأول كأنه غير الثاني، وكاللغو الذي لا تأثير له في حصول الفائدة، فجرى الثاني من الأول لذلك مجرى الأجنبي. وإذا قلت أضربني أو أضربنا لم يصر أحد الضميرين كالأجنبي من الأول لا لفظاً ولا معنى، والمعتاد في الفاعل والمفعول مغايرة الثاني للأول، فلما كان الأمر على ذلك لم يجز فيه ما جاز في الأول. يبين هذا أنك لو قلت ضربت نفسي أو أضرب نفسي لصلح، للتغاير الحاصل في اللفظ، فاعلمه.
وقوله حائل: اسم وادٍ. والقري: مجرى الماء إلى الروضة، وكامسٌ والأصفر: مكانان. وضباعة ورصافة: جبلان، وكذلك عوارض. وجو البسابس أي داخل البسابس، وهي المفاوز الواسعة الخالية. والجو: الهواء بين السماء والأرض أيضاً.
والمقفر: الصائر في القفر، وهو المكان الخالي. وانتصب جو على الظرف، ومقفراً على الحال.
ومعنى الأبيات: كما نرى أنفسنا ياسمية بهذا الوادي، ونحن ننتقل في هذه المراتع التي ذكرتها، ونتحول بين هذه المناجع التي عددتها الحاصلة في جو الأرضين المستوية، وفي أثناء الأرضين المقفرة، ولا أرض أكثر خصباً من أرضك وخيراً، وأندى مذانب وتلاعاً، وأحوى لبيض النعام، وأجمع لخضر الرياض التي يستوطنها الوحوش من البقر وغيرها؛ وثورها يحفظ قطيعه وكأنه لنشاطه إذا جأر فحلٌ متغضبٌ أيام أمنا عادية النوى. وبائقة الدهر والأذى، ولم تخف نساؤنا من ترامي الغربة، وتقاذف الشقة، ولم يقع بين العشائر حرب الفساد، وضرر التهاجر والبعاد، ونحن متديرون ومقيمون، وفي أنواع النغمة والنعمة مترددون، ولدار السلامة والخفض مستوطنون.
وهذا الكلام تحسرٌ في إثر أيام السلامة، وتشكٍ من أيام الفتنة.
وقوله إذ الخاف ظرفٌ لقوله ولقد أرانا. وقوله قبل الفساد بدلٌ منه، والمذانب: مسايل المياه. ومعنى أكثر منك بيض نعامةٍ أكثر من أرضك، فحذف المضاف، وانتصب بيض على التمييز. وقوله ومذانباً انتصب على أنه معطوفٌ على بيض نعامةٍ، وتندى في موضع الصفة للمذانب، أي ندية، وكذلك " وروضاً " و " معيناً ". المعين: الثور الكبير العين، والصوار: القطيع، واشتقاقه من صرته أي قطعته. والحدوج: المراكب، ونسب الخوف إليها مجازاً، لأن المراد بها النساء، وقوله متخمط شبه الثور بفحلٍ له سورةٌ وجبلةٌ، لاهتياجه وغضبه، ومنه قيل للبحر إذا التطمت أمواجه: هو خمط التيار. والقطم: الهائج. وبربر: صوت. وقذف النوى: رميه. وقوله قبل الفساد يريد قبل حرب الفساد، وإنما سميت بهذا الاسم لأن بعضهم كان يشرب في قحف رأس صاحبه إذا قتله، وبخصف نعله بأذنه، إظهاراً للتشفي. وانتصب إقامةً على أنه مصدر لعلةٍ، ويجوز أن يكون في موضع الحال، فتقدير الأول: لا تخاف قذف النوى لإقامتنا وتديرنا، وتقدير الثاني: لا تخافه مقيمين ومتديرين. ويقال ما بالدار ديارٌ، وداريٌ، ومنه قوله:
لبث قليلاً يلحق الداريون
والأصل في تدير الواو ولكنه بنوه على ديارٍ، لإلفهم له بكثرة تردده في كلامهم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع