تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال سنانٌ بن الفحل

وقالوا قد جننت فقلت كلاوربي ما جننت ولا انتشيت

كان الواجب أن يقول قالوا جننت أو سكرت، فاكتفى بذكر أحدهما لأن النفي الذي يتعقب في الجواب ينظمهما. ومثل هذا قول الآخر:

فما أدري إذ يممت وجهاًأريد الخير أيهما يلبني

لأن المراد أريد الخير وأتجنب الشر أيهما يليني، فاكتفى بذكر أحدهما لأن ما بعده يبينهما: ولكلا موضعان: أحدهما أن يكون للردع والزجر، وحينئذ يصح الاكتفاء به والوقف عليه. والثاني أن يكون للتنبيه كألا، وحينئذ يحتاج ما بعده إلى ما يتم به. وسيبويه قصر تفسيره على أنه للردع والزجر. والشاعر أراد قال الناس في لما أظهرت إنكاري، وتشددت في إبائي، وتحفظت عندما عرض وجشم، واستنكفت مما سيم وكنف: إنه قد جن أو سكر. فزحرتهم وردعتهم، وحفت بالله نافياً لما نسبت إليه ووسمت به من الجنون والسكر جميعاً. ثم أخذ يبين كيف استنكر ما دفع إليه، واشمأز مما عرض عليه حتى قيل فيه ما قيل. والانتشاء والنشوة: السكر.

ولكني ظلمت فكدت أبكيمن الظلم المبين أو بكيت

لكن استدراكٌ بعد نفيٍ. وهذا الكلام بيان ما أنكر منه حتى قيل إنه جن. وذكر البكاء ليرى أنفته وامتعاضه، وإنكاره لما أريد ظلمه فيه واغتياظه. فأما العرب فإنها تنسب أنفسها إلى القساوة، وتعير من يبكي لذلك. قال مهلهل:

يبكي علينا ولا نبكي على أحدٍلنحن أغلظ أكباداً من الإبل
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «يبكى علينا ولا نبكي على أحد»

يقول: لكن عرض علي ضيمٌ لم آلفه، واستنزلت عن حقٍ لي طال ملازمتي له، فشارفت البكاء أو بكيت. كل ذلك لاستنكافي مما ندبوني إليه وتعجبي مما راودوني عليه.

فإن الماء ماء أبي وجديوبئري ذو حفرت وذو طويت

صرح بما أريد غصبه عليه فقال: هو ماءٌ موروثٌ عن الرسلاف وحمًى معروفٌ بي وبهم، سلمة الناس لنا على مر الأيام، وبئرٌ توليت استحداثها وحفرها وطيها. وقوله " ذو حفرت " ذو لغةٌ طائيةٌ في معنى الذي. يقولون: هذا ذو قال ذلك، ورأيت ذو قال ذلك، ومررت بذو قال ذلك، فيحتاج من الصلة إلى مثل ما يحتاج إليه الذي، لكنها تقع في لغتهم للمذكر والمؤنث ولهذا صلح أن يقول " وبئري ذو حفرت "، والبئر مؤنثةٌ.

وقبلك رب خصمٍ قد تمالواعلي فما هلعت ولا دعوت

نبه على حسن ثباته في وجه الخصوم، وتمرنه بمجاذبتهم قديماً وحديثاً، وتحككه بهم على احتفالٍ منهم في مناوأته سالفاً وآنفاً، فيقول: وقد بليت قبلك بقوم لدٍ تألبوا علي وتعاونوا، فلم أجزع لما منيت بهم جزعاً فاحشاً، ولا استنصرت عليهم غيري عند دفاعهم استنصاراً مكروهاً. والهلع: أفحش الجزع. وتمالوا، هو تفاعلوا من قولهم هو مليءٌ بكذا. فإن قيل: كيف قال هلعت، وقد قال فيما قبله: فكدت أبكي من الظلم المبين أو بكيت وهل الهلع إلا البكاء والجزع؟ قلت: إن الهلع هو الجزع الفاحش الذي يظهر فيه الخضوع والانقياد، فهذا هو الذي انتضح منه، وزعم أنه لا يظهر عليه. والبكاء الذي ذكر أنه شارفه أو كاد يشارفه قد بينا أنه كان منه على طريق الاستنكاف والامتعاض؛ فإذا كان كذلك فإنه لم يكن عن تخشعٍ وتذللٍ، ولا انقيادٍ واستسلامٍ، وسلم الكلام من التناقض والفساد.

ولكني نصبت لهم جبينيوألة فارسٍ حتى قريت

يقول: ولكني صبرت لهم، وانتصبت في وجوههم، وهيأت عدتي وسلاحي لدفعهم، دارئاً في نحورهم، محلئاً لهم عن ورودهم، فعل الفارس الذاب المانع يوم الحفاظ، حتى خلصت من غصبهم حقي، وقريت الماء من دونهم في حوضي. والآلة: الحربة، وجمعها إلالٌ، وأصله البريق واللمعان. والقرى: الجمع.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.