من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبو ثمامة بن عارمٍ
رددت لضبة أمواههاوكادت بلادهم تستلب
يقول: اعتنيت بضبة، فأعنتها على مجاذبها ومنازعها، وحفظت لها وعليها مياهها وبلادها، ومراعيها ومرادها، بعد أن شارفوا التسليم والاستسلام، والملاينة
والانقياد، حتى كادوا يغلبون عليها، ويمنعون من حقوقهم فيها، لما يظهر على صفحات أحوالهم من التخاذل، ويبنون أمورهم عليه في التهاون والتواكل.
بكر المطي وإنعابهوبالكور أركبه والقتب
الباء من قوله " بكر " تعلق برددت. ويروى: " بكرى المطي "؛ وساغ الوجهان لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل. ومراده أن يبين كيف كانت نيابته عنهم، ومدافعته دونهم، وكيف جاذب أعداءهم وجادل عنهم، حتى توصل إلى قمعهم، ونزع أيديهم عما أنشبوها فيه من أملاكهم، وردهم دون ما سوغوه من اهتضامهم. والقتب أخف من الكور. وإنما ذكر هذه المراكب ليبين تطاول الأمد بينه وبنيهم، وتحمل أنواع المشاق اللاحقة في نزاعهم، وليدل على كثرة مناقلاتهم، واختلاف التردد في مجالسهم وأماكنهم.
أخاصمهم مرةً قائماًوأجثو إذا ما جثوا للركب
انتصب قائماً على الحال؛ ونبه بما أورده على امتداد المجازبة، وتكرر المحاجة، وعلى اختلاف الهيئات وتغير الأوقات، وكل ذلك بحسب اشتداد سورة الخصام ولينها؛ وأنه تكفل بالأمر معهم تكفل من تعين عليه الفرض في مرادتهم، فابتدل نفسه معهم، ووطنها على مصابرتهم، فإن قاموا قام معهم، وإن بركوا باراهم في بروكهم، لئلا يكون مخلاً بمعرضٍ يخرجون فيه، أو تاركاً لشيءٍ من نصبهم. ويقال: جثا لركبته، إذا سقط.
وإن منطقٌ زل عن صاحبيتعقبت آخر ذا معتقب
فصل بين إن والفعل بقوله " منطقٌ "، ولو ظهر تأثيره بالجزم لم يجز فيه. وارتفع بفعلٍ هذا الظاهر تفسيره. فإن قيل: فإن في أي الفعلين عمل؟ وهل تقول إنه عمل فيهما جميعاً؟ قلت: أما عمله فيهما فغير سائغ، لأن أداةً واحدةً لا تجزم شرطين في حالةٍ واحدةٍ، لكن الفعل المضمر لما لم يظهر صار في حكم ما لم يعتد به، وإن كان الاسم يرتفع به، حتى صار التقدير: وإن زل منطقٌ زل عن صاحبي. وقد روى " تعقبت " و " تعرقبت "، ومعنى تعقبت تتبعت وطلبت عقبه؛ ومثله اعتقبت. وقيل المعتقب أخد عقبه الشيء، وهي آخره. ومعنى تعرقبت: عدلت عنه وأخذت في
غيره. ويقال تعرقبت الفرس، إذا ركبتها من خلفها. وعراقيب الأمور: التباساتها وطلب الحيل والحجج فيها، وأنشدت:
فلا يعدمك عرقوبٌ للأيٍإذا لم يعطك النصف الخصيم
والمعنى: لا يعدمك حيلةٌ لالتواء خصمٍ عليك.
وقال آخر:
إذا حبا قفٌ له تعرقبا
أي عدل عنه فالتوى. ومثل تعقبت في إفادته طلبت عقبه وعقباه: تفقدت الشيء وتعهدته؛ لأن المعنى طلبت فقده وعهده، أي نظرت هل فقدته وهل بقى على عهده. ومعنى البيت: إن بدرت من واحدٍ منهم كلمةٌ لم يوفق فيها للصواب، أو خفت عودها بغير صلاحٍ عدلت عنها وطلبت مكانها أخرى ذات متتبعٍ فأعقبتها بها.
أفر من الشر في رخوةٍفكيف الفرار إذا ما اقترب
قوله في " رخوةٍ " أي تراخيه. وهو رخوٌ، أي مسترخٍ. كأنه أراد: أهرب منه مالم يتشدد. ونبه بهذا الكلام على أنه يتفادى من الشر ما أمكن، وأنه لا يستعمل البغي ولا يبتدئ الخصم، فإن جاء منه مالا معدل عن اقتحامه وركوب البلوى فيه، ولا معول إلا على الصبر على شدائده وتوسط الأذى العارض له خاضه متلقياً لمكارهه بعدته، مجاذباً للمنازعين بأقصى ما في طوقه وقوته، إلى أن يتحصل له الفلج والظفر، أو يتحصن عن لوم اللائمين بما يقيمه من العذر في المجاهدة والتثبت. ومثله قول هدبة ابن خشرم:
ولا أتمنى الشر والشر تاركيولكن متى أحمل على الشر أركب
وقال أبو ثمامة أيضاً:
قلت لمحرزٍ لما التقيناتنكب لا يقطرك الزحام
تكب وتنكب بمعنًى واحدٍ. ويقول هو أنكب عن الحق، ومنه الريح النكباء، لعدولها عن مهاب الرياح الأربع. وهذا الكلام تهكمٌ واستهزاء، كأنه يرميه بأنه لم
يباشر الشدائد، ولم يدفع إلى مضايق المجامع. فيقول: انحرف متماسكاً لا يسقطك تزاحم الناس. والتقطير: الإلقاء على أحد القطرين، وهما الجانبان، وكأنه يخاف عليه أن يداس بالقوائم، كما يخاف على الصبيان والنساء، لقلة غنائه، وضعف ثباته. وهذا في بابه أبلغ ما مر بي. وفي طريقته قو حجل بن نضلة:
جاء شقيقٌ عارضاً رمحهإن بني عمك فيهم رماح
وقول سبرة بن عمرٍو الفقعسي:
لا شيء يعدلها ولكن دونهاخرط القتاد تهاب شوكتها اليد
وفي هذا تعريضٌ أيضاً. ومن التعريض ما أنشدته عن اليزيدي قال: أنشدني الأصمعي:
فدع شوك السيال فلا تطأهوخض إن خضت ماءً غير غمر
وقول الآخر:
فأرضك أرضك إن تأتناتنم نومةً ليس فيها حلم
أتسأل السوية وسط زيدٍألا إن السوية أن تضاموا
يخاطبه مقرراً ومتوعداً. والتقرير بألف الاستفهام ولا حرف نفيٍ معه يكون فيما لا يثبت ولا يستجاز كونه. والسوية: الإنصاف؛ وهي من الاستواء كالجريمة والدنية والخطيئة. وزيدٌ: قبيلة المخاطب. فيقول على وجه الإنكار والهزء: أتسأل إنصافك وأنت وسط رهطك وفيما بين عشيرتك ومحل عزك. ثم قال: إن من السوية اهتضامكم وضيمكم، وهذا من باب إبدال الشيء من الشيء. كقول الآخر:
تحية بينهم ضربٌ وجيع
والضرب لا يكون تحيةً. والمعنى: أنهم يعطون بدل الإنصاف الظلم، لأنهم لا يستحقون غيره، ولأن النصفة لا تصلحهم ولا توافقهم.
فجارك عند بيتك لحم ظبيٍوجاري عند بيتي لا يرام
يصفهم بسوء الوفاء، وقلة المحافظة على عقد الجوار، فيقول: جارك كالصيد لمن يطلبه، وبعرض الأكل والاستباحة لمن يريده، وهذا وهو في فنائك، وغير مفارقٍ لدارك، لضعف حشمتك وسقوط همتك، واستسخاف الناس لدرك وزنك؛ وجاري لا يطلب ولا يطمع فيه لتحصن مكانه في فنائي، وتعززه بي، ما دام متمسكاً بحبلي، أو معتصماً بحلفي. وإنما قال ذلك لأن النزاع بينهما كان بسبب جارٍ. وإضافة اللحم إلى الظبي في نهاية الموافقة للمعنى الذي يقصده، والغرض الذي كان يرميه. وقد جاء اللحم غير مضافٍ إلى اسم الصيد في الكناية عن الذل والاهتضام. على هذا قولهم: هو لحمٌ موضعٌ، وهو لحمٌ على وضمٍ. وقد استعمل الشحم في مثل ذلك، على هذا قوله:
لمن كنت فيه شحمه وأطايبه
وقول الآخر:
فلا تحسبنني يا ابن أزنم شحمةًتزردها طاهي شواءٍ ملهوج
وقد قال آخر سالكاً هذه الطريقة في الكناية:
ولست خلاةً لمن أوعدن
وقالوا في الذليل: هو قنعٌ، وهو فقعٌ بقرقرٍ، وهو بيضة البلد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع