من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عبد الله بن عنمة
أبلغ بني الحارث المرجو نصرهموالدهر يحدث بعد المرة الحالا
قوله " والدهر يحدث " اعتراضٌ حصل بين أبلغ بني الحرث وبين مفعوله الثاني: وهو قوله، " إنا تركنا فلم نأخذ به بدلاً ".
ومثله مما قد دخل الاعتراض بينه وبين المفعول قول أبي النجم:
وبدلت والدهر ذو تبدلهيفاً دبوراً بالصبا والشمأل
وفي القرآن قوله ﷿: " ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودةٌ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ". لأن قوله يا ليتني مفعول ليقولن، وكأن لم يكن اعتراضٌ. وكذلك الدهر ذو تبدل اعتراضٌ. وقوله " المرجو نصرهم " فيه تعييرٌ وتقريعٌ كما أنه في قوله والدهر يحدث بعد المرة الحالا " هزؤٌ وسخرىٌ. وهؤلاء القوم كانوا تركوا عشيرتهم وانتقلوا عنهم للوثةٍ حصلت بينهم إلى بني الحارث طمعاً في نيل ما يفوتهم منهم من جهتهم، فلما لم يجدوهم عند الظن بهم تندموا، فأخذ هذا الشاعر منهم يرمى بهذا الكلام معيراً ومتلهفاًن فيقول: أبلغ هؤلاء القوم الذين رجى معونتهم وطمع في نصرتهم وذبهم - والدهر ذو غيرٍ وتلونٍ، فيتعقب فيه الشدة لينٌ، والقوة ضعفٌ، والعزة ذلٌ - رسالتي إليهم. وإنما تبين من قوله الحال، وإن كان واحد الأحوال، الضعف، والمعنى الذي ذكرته لقوله يحدث بعد المرة. وحكى بعضهم أن هذا كما يقال تركته بحالٍ، للمشرف على الشر أو الهلاك، والمراد بحال سوء، فكذلك هنا يريد والدهر يحدث الحالة المنكرة بعد المرة. وقيل أيضاً الحال: التراب اللين والحمأة، فاستعاره للضعف واللين.
إنا تركنا فلم نأخذ به بدلاًعزاً عزيزاً وأعماماً وأخوالاً
يقول: أد إليهم أنا بمفارقة قومنا تركنا أقارب من جهة الآباء والأمهات، متناصرةً على دفاع حوادث الدهر متعاونةً، وظهراً ظهيراً، وعزاً متناهياً قوياً، ولم نتعض منهم ما فيه طائلٌ. قوله " وأعماماً وأخوالا " أي تركناهم وهم من البر والشفقة على ما يكون عليه الأعمام والأخوال، وفيما يرجى من الوفور بهم والتأيد بمكانهم. وقوله " عزاً عزيزاً "، من شأنهم أن يشتقوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغة في وصفه بناءً يتبعونه به تأكيداً وتنبيهاً على تناهيه في معناه. على ذلك قولهم: ظلٌ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياء، وشعرٌ شاعرٌ.
قد كنت آخذ حقي غير مهتضمٍوسط الرباب إذا الوادي بهم سالا
هذا الكلام توجعٌ وتلهفٌ في إثر ما فاته من قومه، بما حصل من فساد ذات بينهم، حتى صاروا إلى التباين، والتمايز بالأبدان والتهاجر. فيقول: كنت أتقاضى بحقوقي بين ظهرانيهم فأقتضيها وأستوفيها غير مهضومٍ ولا مهينٍ إذا جاءوا محتفلين تمتلئ منهم الطرق والفجاج، وتسيل بهم المذانب والتلاع. ومثل قوله " إذا الوادي بهم سالا " قول الآخر:
وسالت بأعناق المطي الأباطح
لا تجعلونا إلى مولىً يحل بناعقد الحزام إذا ما لبده مالا
المولى في البيت: الناصر أو الولي لا غير. وكأنه أقبل على قومه يستعطفهم، ويشكو إليهم ما لاقوه من غيرهم. فيقول: تلافوا أمرنا ولا تكلوه إلى ناصرٍ يؤثر صلاح حاله وإن فسد حالنا، ويروم انتعاشه وإن سقطنا، ويسوى لبده إذا اعوج وزال عن مقره بنا. وهذا تعريضٌ لمن كانوا انتقلوا إليهم. كأنهم كانوا يهمهم ما يختص بأنفسهم، ثم لا يحلفون بما يختل من شأن هؤلاء أو ينحل من عقدهم.
وفي هذه الطريقة قول الآخر:
وكنا فوارس يوم الهريرإذا مال سرجك فاستقدما
وأفصح من هذا قول ابن أحمر:
فإما زال سرجٌ عن معدٍوأجدر بالحوادث أن تكونا
وقال ابن عنمة أيضاً:
ما إن ترى السيد زيداً في نفوسهمكما يراه بنو كوزٍ ومرهوب
السيد: قبيلة، وكذلك كوزٌ ومرهوبٌ. وقوله " ما إن " إن زيدت لتأكيد النفي. وذكر سيبويه أن ما الحجازية إذا قرن بإن هذه يبطل عمله، يقول: بنو السيد لا
يقسمون لزيدٍ من التعظيم، ولا يوجبون له في نفوسهم من الحرمة والتبجيل، ما يوجبه ويقسمه بنو كوز ومرهوبٌ. والضمير على هذا من قوله " في نفوسهم " يكون للسيد. ولا يمتنع أن يكون الضمير لزيدٍ لأنه قبيلةٌ أيضاً. وهذا كما يقال: لك في نفسك حقٌ ومنزلةٌ. كأن زبداً كان له إذا راجع نفسه من التوجيه والإدلال، والتخصص والاعتزاز في بني كوزٍ ومرهوبٍ، ما لا يكاد يجده في بني السيد.
إن تسألوا الحق نعط الحق سائلهوالدرع محقبةٌ والسيف مقروب
يقول: إن وقفتم عندما يثبت من حقكم، ورضيتم بما لا نجحده من واجبكم، ولم يخيل إليكم أن طلب ما فوقه أعود عليكم، خرجنا منه إليكم من غير إباءٍ ولا امتناعٍ، ولا اهتياج حربٍ أو إعمال سلاحٍ. وقوله " والدرع محقبةٌ " أي مشدودةٌ في الحقائب، لأنه أراد بالدرع الجنس. والاحتقاب والاستحقاب: شد الحقيبة من خلفٍ. وكذلك قوله " والسيف مقروب " أي متروكةٌ في قربها؛ لأنه أراد السيوف. ويقال: قربت السيف وأقربته، وغمدته وأغمدته. وقال أبو زيدٍ: القراب: غشاءٌ يكون السيف مغمداً فيه. واحتج بقوله:
يا ربة البيت قومي غير صاغرةٍضمي إليك رحال القوم والقربا
وإن أبيتم فإنا معمرٌ أنفٌلا نطعم الخسف إن السم مشروب
يقول: إن عدوتم طوركم، وتجاوزتم في الطلب حقكم إلى ما ليس لكم، فإن أنفتنا تمنع من احتمالكم، والتزام شهوتكم، وحميتنا تأبى الرضا بالتحمم، والصبر على الاقتسار والتهضم، فلا نطعم الخسف وإن شربنا السم. والخسف: أن يحملك إنسانٌ ما تكرهه. ومن الصنعة الحسنة مقابلته الطعم بالشرب، واستعارته إياهما في تجرع الغصة، وتوطين النفس على المشقة، عند إزالة المذلة، ورد الكريهة. وأنف: جمع أنوف. والمعشر: الجماعة أمرهم واحدٌ، ويقال: جاء القوم معشر معشر، أي عشرةً عشرةً.
فازجر حمارك لا يرتع بروضتناإذاً يرد وقيد العير مكروب
هذا مثلٌ. والمعنى: انقبض عن التعرض لنا، والدخول في حرمتنا، ورعى سوامك روضتنا؛ فإنك إن لم تفعل ذلك ذممت عاقبة أمرك، وعدت خاسر الصفقة وخيم الرتعة. جعل إرسال الحمار في حماهم كنايةً عن التحكك بهم، والتعرض لمساءتهم. ولا حمار ثم ولا روض. وقال ابن الأعرابي: أرادا كفف لسانك. قوله " إذا " قال سيبويه: هو جوابٌ وجزاءٌ، فالابتداء الذي هو جزاؤه محذوفٌ مستدلٌ عليه مما في كلامه، كأنه قال فإنه إن رتع رجع إليك وقد ضيق قيده، أي ملئ قيده فتلاً حتى لا يمشي إلا بتعبٍ، كأنه يضرب أو يستعمل حتى يرم جسمه ويؤدي الوجع منه إلى موضع حافره فيضيق عليه القيد.
إن تدع زيدٌ بني ذهلٍ لمغضبةٍنغضب لزرعة إن الفضل محسوب
يقول: إن غضب بنو ذهلٍ لزيدٍ وامتعضوا من ضيمٍ يركبها، وأغاثوها إذا استجارت بهم، غضبنا لزرعة، وانتقمنا له ممن يهتضمه، إن الفضل معدود. فالمعنى: إنه لا فضل لكم علينا فقد عددنا ما لكم، فلم نجد زيادةً لكم، ولا استظهاراً يوجب لكم التعلي والتغلب. وإذا كان الأمر بيننا على التساوي فلا استبداد ولا احتكام. ويروى: إن القبص محسوب، وهو العدد الكثير، ويكون الكلام مثلاً. ويقال إنهم لفي قبص العدد وفي قبص الحصى، أي في أكثر ما يستطاع عدده من كثرته، والمراد: إن الأعداد الكثيرة تضبط وتحصر، فكيف ما بيننا من تفاوتٍ وتفاضلٍ، أو تساوٍ وتعادلٍ.
ولا يكونن كمجرى داحسٍ لكمفي غطفان غداة الشعب عرقوب
كان التنازع بينهم في رهانٍ وقع على عرقوبٍ، وهو فرسٌ لهم. فيقول: لا يكونن جرى عرقوب عليكم في الشؤم كجري داحسٍ في غطفان غداة شعب الحيس. فقوله " عرقوب " ارتفع على أنه اسمٌ لا يكونن، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، لأن المراد: ولا يكونن مجرى عرقوبٍ كمجرى داحسٍ. وقوله " غدة الشعب " ظرفٌ لقوله كمجرى. وجعل النهي في اللفظ لعرقوبٍ وهو في المعنى لهم. حذرهم استعمال اللجاج لئلا يتأدى الأمر إلى مثل ما تأدى في رخان داحسٍ والغبراء. ومثل هذا من النهي قولهم: لا أرينك ها هنا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع