من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال برج بن مسهرٍ الطائي
إلى الله أشكو من خليلٍ أودهثلاث خلالٍ كلها لي غائض
جعل شكواه إلى الله ﷿، ليأسه من معونة المخلوقين فيما يتألم منه ويتضجر به. يقول: أشكو ثلاث خلالٍ من صديقٍ لي أميل إليه، وأخلص الواد له، وكل واحدة من تلك الخلال يهزلني وينقص من لحمي، ويكسر من نشاطي. ويقال غاض الماء وغضته أنا، وفي القرآن: " وغيض الماء " فهي من باب فعلت الشيء ففعل. قال الشاعر:
فلا راكدٌ يجري ولا هو غائض
فمنهن ألا تجمع الدهر تلعةٌبيوتاً لنا يا تلع سيلك غامض
يجوز أن يروى تجمع بالنصب والرفع، فإذا نصبت فلأن أن قبله هي الناصية للفعل، وإذا رفع فأن تكون مخففةً من الثقيلة، أراد أنه لا تجمع، والهاء ضمير الأمر والشأن. ومثله في القرآن: " أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً "، قرئ يرجع بالرفع والنصب، حملاً على الوجهين المذكورين. والتلعة: أرضٌ مرتفعةٌ يتردد فيها السيل إلى بطن الوادي. ويقال: فلانٌ لا يوثق بسيل تلعته، إذا كان غير صدوقٍ في أخباره. وباب التعل كله يدور على الإشراف والارتفاع. وقوله " يا تلع سيلك غامض " يسمى نقاد الكلام مثله التفاتاً، فهو مثل قول جرير فيما حكى عن الأصمعي:
متى كان الخيام بذي طلوحٍسقيت الغيث أيتها الخيام
وصلح ترخيم تلعةٍ وإن كان نكرة، لأنه قصد بها في النداء إلى واحدة بعينها. ومعنى البيت: من تلك الخلال التي أتألم منها أني وإياه لا نجمع طول الدهر في مكانٍ، ولا يحوى بيوتنا تلعةٌ من التلاع. ثم التفت مظهراً التضجر، ومبدياً، التوجع إلى التلعة. ثم التفت مظهراً التضجر، ومبدياً، التوجع إلى التلعة، فقال: لا جرى فيك سيلٌ، ولا ظهر بك خصبٌ، ولا سقي لك عهدٌ. وهذا كأنه للموضع الذي لا يتفق له مع صديقه المذكور فيه التقاءٌ على قربه وجواز كون ذلك فيه ذنباً، فأقبل يدعو عليه تضخراً به. ومن عادة الناس النظر في الديار وما يسنح فيها من اجتماع الأحبة أو افتراقهم، وانتظام شملهم فيها أو انبتاته. وقد ورد الخبر بمثل ذلك أيضاً.
ومنهن ألا أستطيع كلامهولا وده حتى يزول عوارض
يجوز أن يروى أستطيع بالرفع والنصب على ما تقدم في البيت قبله. وقوله " ولا وده " إن قيل كيف قال لا أستطيع وده، وقد قال في البيت الأول من خليلٍ أوده، فأثبت الود؟ قلت: إنما يعني لا أستطيع مقتضى وده وموجبه، فحذف المضاف. وقوله حتى يزول عوارض، معناه حتى كان ما لا يكون. والمراد بالبيت: ومن تلك الخلال ما عرض بيني وبينه من إعراضٍ متصل وهجرٍ دائم، فلا أقدر على مفاوضته فيما يعن من خيرٍ وشر، ولا أطيق مباثته ما ينتقل فيه من محبوبٍ أو مكروهٍ، ولا أستطيع موادته ومخالصته بحسب الأحوال المتشابكة بيننا، ما ثبت عوارضٌ وهو جبلٌ ودام للدهر متصلٌ.
ومنهن ألا يجمع الغزو بينناوفي الغزو ما يلقى العدو المباغض
وجه جواز الرفع في يجمع والنصب على ما تقدم. وقد رتب الشاعر في هذه الأبيات مسببات المودة ونتائجها، وما يوجبه غراس المقة وآثارها، أحسن ترتيب، فابتدأ عند ذكر انتفائها وامتناعها بتعذر الاجتماع بالأبدان في المجالس والمحال، لأنه الأول والأصل في انعقاد الوداد، ثم أتبعه بما يصحب الاجتماع للتألف، حتى لا ينفك منه من التوانس والتساؤل، والمخالقة والإلطاف، لأنه تلو الأول وثانيه. ثم أردف المقدمتين بنتيجتهما من التعاون والتساعد، والاهتمام والشفقة عند ما يحدث ويتجدد من صغيرٍ وكبيرٍ، ومردودٍ ومقبولٍ، فيقول: ومن تلك الأحوال أن التشارك في جوالب الدهر بيننا رفض، والتألب على الأعداء من مقاصدنا سقط، فلا يؤلف بيننا مراعاة عزٍ، ولا عمارة ودٍ، ولا ينظم نوانا اجتذاب محمدةٍ، ولا دفاع مظلمةٍ. ثم
قال: وفي الغزو ما يلقى العدو ما صلةٌ، والمعنى: وفي العز يحتاج إلى الصديق المخالص، إذ كان إنما يلقى فيه العدو المباغض. فهذا وجهٌ. ويجوز أن يكون المعنى: وفي الغزو قد يلقى العدو المباغض فكيف الصديق المواد. والأول أشبه وأجود.
ويترك ذا البأو الشديد كأنهمن الذل والبغضاء شهباء ماخض
أخذ يبين مساس الحاجة في الغزو إلى ائتلاف الأوداء، وتعاون الأشداء، فيقول: وإذ كان الغزو يترك المتكبر الذاهب بنفسه مذاهب ذوي الجبرية والعز، وكأنه مما لزمه من الذل والبغض للخلاف والحرب، وتناسى الاعتلاء والقهر، ناقةٌ شهباء أثر وجع الولادة فيها فضعفت وسقطت. وإنما خص الشهباء بالذكر لأنها أنعم الإبل وأرقها، وأقلها صبراً وأضعفها.
والمخاض: وجع الولادة، ويستعمل في أنواع الحيوان. والطلق لا يكون إلا في النساء.
فسائل هداك الله أي بني أبٍمن الناس يسعى سعيناً ويقارض
أخذ يستعطف الصديق الذي شكاه، ويستميل بقلبه، فقال: سل أرشدك الله للخير وصلة الرحم، وعدل بك عن سبل الضلال والقطيعة: أي قومٍ من الناس يسعى في منع قوى التشابك من الانبتات، وصون عرى التواصل عن الانفصام، سعينا؛ أو يقارض ذوي القربات، وإخوان الوداد والمصافاة، في حالتي السراء والضراء، مقارضدنا؛ ثم توفر علينا بمثل ما يقتضيه الخبرة والمعرفة، وعلى ما يبعث عليه البحث والمساءلة.
نقارضك الأموال والود بينناكأن القلوب راضها لك رائض
في الكلام إلمامٌ بالعتب، وإظهارٌ للاستجفاء؛ لأنه أخذ يبين تمام ميلهم إله، وحسن احتمالهم منه، وأنهم على جفائه لا يمنعونه مالاً، ولا يمذقون له وداً، وكأن قلوبهم جبلت على حبه، وأشربت مودته، فمتى رامت سلوةً أو نبواً أديرت إلى عادته الأولى، وعطفت على محبته القدمى.
كفى بالقبور صارماً لو رعيتهولكن ما أعلنت بادٍ وخافض
قوله بالقبور في موضع الرفع على أن يكون فاعل كفى، وانتصب صارماً على الحال أو التمييز. ولما كان القصد بذكر القبور إلى ما يؤدي إليها، وهو الأجل
المضروب، صلح أن يقول صارماً لو رعيته. ويقال رعيت النجوم وراعيتها، إذا راقبتها. وقوله وخافض أراد به منخفضٌ لكنه أخرجه مخرج النسبة كأنه قال وذو خفضٍ. يقول: لو انتظرت الموت، وصبرت على المجاملة مدة العيش، لكان يكفيك عند حصوله ما تعجلته من الصرم، ولكن ما أظهرته من البغض تمكن من نفسك وقلبك، واستولى على فعلك وقولك فلم تملك معه صبراً، ولم تطق بما يجمعنا رفقاً، فهو باطنٌ ظاهرٌ، مسرٌ معلنٌ. وإنما قال هذا لأن الإنسان قد يظهر خلاف ما ينطوي عليه أو دونه، ما دام يملك زمام تجمله وتستره، وصار الغلبة لعقله وإرادته. فإذا كان ما ينبع منه عن معينٍ في القلب كنينٍ، وعريقٍ مكين، قد امتلك النفس وغلب المسكة والصبر، فذلك النهاية لا يقدر على ستره، ولا يهتدي إلى دفعه. وفي القرآن ما فيه هذا المعنى قوله تعالى: " قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ".
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع