من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عبيد بن ماوية
ألا حي ليلى وأطلالهاورملة ريا وأجبالها
يخاطب نفسه مظهراً للتجلد، ومتبجحاً بأن الشدائد لا تنسيه الأحبة ولا تعتاقه عن التسليم عليها، والوقوف على منازلها ومساءلتها، وأنه متى مني بها أهمه أمرها أشد مما كان قبل، ولم يله عنها؛ فيقول: سلم على هذه المرأة وعلى ديارها، وعلى رمال ريا والجبال المحيطة بها، وإن طرفك من الحوادث ما يشغل عن مثله.
وأنعم بما أرسلت بالهاونال التحية من نالها
قوله بما أرسلت أي بدلاً مما أرسلت. وما مع الفعل من تقدير مصدر، يعني بإرسالها. وتقول العرب: هذا بذاك، أي عوضٌ منه، وهذا لك من ذاك في معناه. وعلى هذا قول الشاعر.
ليت لنا من ماء زمزم شربةًمبردةً باتت على الطهيان
أي عوضاً من ماء زمزم. والبال والخلد يستعملان على طريقة واحدة، يقولون: وقع في خلدي كذا، وسقط على بالي وخطر ببالي. والمعنى: قل أنعم الله بالها، جواباً لتحيتها، وجزاءً على مراسلتها. وقوله ونال التحية من نالها يحتمل وجهين. يجوز أن يكون المعنى: وأصاب الملك من أصاب هذه المرأة. وهذا الكلام تفخيمٌ لشأن المرأة وتعظيم لخطبها. ويقال نلت كذا أنال نيلاً. والتحية: الملك، ومنه التحيات لله. وقيل في قول الشاعر:
ولكل ما نال الفتىقد نلته إلا التحية
إنه أراد به تحية الملك، وهو قولهم في مخاطبته: أبيت اللعن، والمعنى معنًى واحدٌ. ويجوز أن يكون نال بمعنى أنال. قال أبو زيد: يقال نلته أنوله نولاً ونوالاً، أي أعطيته. وعلى هذا يكون الكلام دعاءً. والمعنى: أنال الله التحية من أنال هذه
المرأة تحيتي. كأنه يدعو نفسها إلى إهداء التحية إليها على بعدها. وفي الوجه الأول يجوز أن تكون المرأة قريبةً.
فإني لذو مرةٍ مرةٍإذا ركبت حالةٌ حالها
المرة: القوة والقتل، ومنه قولهم: استمرت مريرته، واستمر عذاره، في الإباء والتمنع. ولم يرض بأن جعل لنفسه مرةً حتى وصفها بأنها مرةٌ، يعني في فيم ذائقها، وعند تجربة مزاولها. وهذا التجنيس حسن المورد. والضمير من قوله حالها يعود إلى الحالة، كأنه أضافه إليها لما كانت تليها، وجعلها مركوبها. فيقول: افعل ذلك واصرف همك إليها، وإلى الدعاء لها، وطلب السقيا لديارها، ولا تبال بما يعن ويعرض من مزاحمة عدوٍ، أو مراغمة حسودٍ، فإني لذو قوة لا تستحليها الفرق المنابذة، إذا تراكمت الأمور، وتراكبت الأحوال والوجوه، فخفيت مواردها ومصدرها، والتبست فصولها ووصولها.
أقدم بالزجر قبل الوعيدلتنهى القبائل جهالها
يجوز أن يكون أقدم بمعنى أتقدم، ويكون الباء من بالزجر في موضعه. ومثله نبه بمعنى تنبه، ووجه بمعنى توجه، ونكب بمعنى تنكب. ويجوز أن يكون قدم ضد أخر، ووجب أن يقول: أقدم للزجر، فجعل الباء زائدةً للتأكيد، كما جاء في قوله: " تنبت بالدهن وصبغٍ للآكلين " لذلك. ومثله قول الشاعر:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ومعنى البيت: أزجر المتعرض لي قبل أن أتوعده، وأعظه بالنهي والتحذير قبل تخشين الجانب له، لكي ينهى حكماء القبائل سفهاءها، وليكون مني تدرج في مؤاخذتهم؛ فابتدئ بالزجر، ثم أرتقي إلى الوعيد، ثم إلى الإيقاع.
وقافيةٍ مثل حد السنانتبقى ويذهب من قالها
تجودت في مجلسٍ واحدٍقراها وتسعين أمثالها
القافية: آخر البيت المشتمل على ما يجب على الشاعر مراعاته وإعادته في كل بيتٍ، سمى بذلك لأنه يقفو ما قبله. وهم يسمون البيت بأسره قافية، لاشتماله على القافية، والقصيدة بأبياتها قافية، لاشتمالها على الأبيات المقفاة. وهذا توسعٌ منهم، كما يسمون القصيدة كلمةً؛ والحقيقة ما قدمته. والأولى بهذا الشاعر عندي أن يريد بالقافية البيت، لأن نظم تسعين بيتاُ غير مستنكر في العرف والعادة من المقتدرين، المجيدين المفلقين، ذوي البدائة العجيبة، والخواطر السريعة، ولو أراد القصيدة لبعد عن المعتاد. فيقول: رب قافيةٍ تنفذ نفاذ السنان، وترويه لجودتها الواة فلا تخلق على مر الأيام، ولا تبليه السنون والأعوام، بل تبقى مع الليل والنهار بقاء الظلم والأنوار، وإن درج قارضها، ومضى منشئها، أنا تجودتها في مجلسٍ واحدٍ مع تسعين من نظائرها. يريد أنه لسان قومه، ومدره عشيرته. ومعنى تجودت: اخترت عند الجمع جيدها. وهذا كما يقال: تنقيت الشيء وتخيرته. وقوله وتسعين أراد مع تسعين، فيكون انتصابه على أنه مفعول معه كقوله تعالى: " فأجمعوا أمركم وشركاءكم "، لأن المراد مع شركائكم. ويجوز أن تكون الواو عاطفةً منه، كأنه قال: قراها وقرى تسعين تماثلها. وقرى يجوز أو يكون من قريت الماء في الحوض، ويجوز أن يكون من قروت الأرض إذا تتبعته. ويجوز أن يكون القرى ما يطعم الضيف، فاستعاره كما قال: قرى الهم إذا ضاف الزماع كأن القوافي لما تواردت أحسن القيام بها، وجود القرى لها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع