من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الأخرم السنبسي
ألا إن قرطاً على آلةٍألا إنني كيده ما أكيد
يقال: فلانٌ لي على حالةٍ وعلى آلةٍ، إذا تنكر وتغير عما كان يعهد عليه من قبل. وهذا يجري مجرى الكنايات. ويقال أيضاً: حصل فلانٌ لنا على لونٍ، يراد على لونٍ مذمومٍ. فيقول: إن هذا الرجل تحول عما كان يجري عليه معي، إلى أمرٍ أنكره ولا أعرفه، ألا إنني أكيد كيده، أي أقابل كيده لي بكيدٍ مثله. وما زائدةٌ، وتلخيصه: أكيده كيداً يماثل كيده لي. وهذا كما يقال ضربه ضرب غريبة الإبل. والمعنى: أقتدي به فيما تنطوي لي عليه ويعاملني به، لا أبتدئه بمساءةٍ، ولا أعاجله بمكرٍ وخيانةٍ، بل أقلده البغي، وأنتظر من جهته الحؤول والنكث، ثم أجازيه كيل الصاع بالصاع.
بعيد الولاء بعيد المحل من ينأ عنك فذاك السعيد
يذم قرطاً فيقول: هو بعيد النصرة والموالاة، أي بطيئها، بعيد الدار والمسكن؛ يعني تنائيها. ثم قال: من بعد عنك فقد سعد جده. نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب على عادتهم في افتنانهم، وكأنه التفت إليه يريه الزهادة في مجاورته، والاستغناء عن معونته، واكتفاءهم بأنفسهم دونه، فقال ذلك بعد ما أخذ في وصفه.
وعز المحل لنا بائنٌبناه الإله ومجدٌ تليد
الهاء من قوله بناه الإله يجوز أن يكون للعز، ويجوز أن يكون للمحل. فإذا جعلته للعز فالأجود أن ينعطف مجدٌ على الإله، كأن العز حصل للمحل بالله تعالى وبمجد الآباء. وإذا جعلته للمحل يجوز أن يرتفع ومجدٌ بالابتداء، ويكون الكلام منعطفاً والخبر محذوفاً، كأنه قال: ولنا مجدٌ تليدٌ. وبناه الإله في موضع الحال للمحل، والأجود أن يضمر معه قد. وإنما يفتخر بأن بلادهم حصينةٌ، وديارهم عزيزةٌ. وذلك أن بلاد طيئ يكتنفها جبلاهم أجأ وسلمى، فلا تستطرفهم الغارات، ولا تهجم عليهم سوابق الفلتات والنزوات. فيقول: عزنا في دارنا ظاهرٌ للناس غير خافٍ، آثرنا الله تعالى به، ولنا مجدٌ متوارثٌ. وأصل المجد الكثرة. والتالد والتليد: القديم.
ومأثرة المجد كانت لناوأورثناها أبونا لبيد
مأثرةٌ: مفعلةٌ من أثرت الحديث، إذا رفعته ونسبته. يريد: أن بالعز اجتمع لهم مكتسباً وموروثاً، وتالداً وطريفاً، ومخولاً من عند الله تعالى تخويلاً، فلهم بذلك صيتٌ في الناس يؤثر، وذكرٌ على مر الأيام يخلد، وثناءٌ يتصل ولا ينقطع، وسناءٌ يستمر ولا يقف، كما كان لأبيهم لبيد.
لنا باحةٌ ضبسٌ نابهايهون على حامييها الوعيد
الباحة: الساحة. والضبس: الشديد. ويقال هو ضبسٌ شرسٌ، في الحريص الشديد. والناب: سيد القوم. وأراد بالحاميين جبلي طيئٍ، والضمير منها يعود إلى الساحة. ويجوز أن يريد بالناب واحد الأنياب، وجعله مثلاً للشدة. وذكر الباحة والمراد أهلها، كما قال الآخر:
وإن مقرمٌ منا ذرا حد نابهتخمط فينا ناب آخر مقرم
يقول: لنا ساحة دارٍ رئيسها والمدافع عنها شكس الخلق، شديد الإباء على الأعداء، يهون وعيد المتوعدين على النازلين في جوانب جبليها، المانعين منها. وقوله على حامييها حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
بها قضبٌ هندوانيةٌوعيصٌ تزاءر فيه الأسود
ثمانون ألفاً ولم أحصهموقد بلغت رجمها أو تزيد
نبه بهذا الكلام على أن ديارهم تحوى العدد والعدة، فرجالهم أسودٌ في مأسدتها تزئر فيها، وسلاحهم الهندوانية يستعملونها. والعيص: الأصل الكريم، ومنابت كرائم الأشجار الملتفة، ومنه قولهم أعياص قريشٍ لكرامهم وقوله ثمانون ألفاً هو تبيين كمية ما أشار إليه، وتفصيل ثروتهم بعد الإجمال، فقال: هو ثمانون ألفاً، ولست أقول هذا عن إحصاءٍ وعدٍ، أو ضبطٍ بعد حصرٍ، لكنه رجمٌ مني وحدسٌ، فهم يبلغونه أو يزيدون عليه. وتحقيق قوله لم أحصها، لم أضبط كثرتها. والحصاة
تستعمل في الكثرة والعقل. وقوله وقد بلغت رجمها، أي رجمي لها، أضيف المصدر إلى المفعول.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع