تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال قبيصة بن النصراني الجرمي

لم أر خيلاً مثلها يوم أدركتبني شمجى خلف اللهيم على ظهر
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

أراد بالخيل الفرسان لا الأفراس، كما روى: " يا خيل الله اركبي ". وقوله على ظهر في موضع الصفة لقوله خيلاً، كأنه قال لم أر فرساناً تماثلها على ظهرٍ يوم أدركت هذه القبيلة خلف هذا الجبل. وقوله على ظهر يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى لم أر خيلاً على ظهر الأرض، كما جاء في التنزيل: " ما ترك على ظهرها من دابةٍ ". والثاني أن يكون المعنى: لم أر خيلاً على ظهور الدواب، لكنه قصد الجنس فوحد كما يقال هو يرتبط كذا رأساً من الدواب، وكذا ظهراً منها. وذكر بعضهم أن ظهراً اسم ماءٍ، كأنه قال خلف هذا الجبل على هذا الماء. وهذا إذا ثبت سيلم للسماع. وذكر بعض أصحاب المعاني أن قوله على ظهر يجوز أن يكون في موضع الحال للمضمر في أدركت، أي يوم أدركتهم قاهرةً لهم،

وعلى قهرٍ وغلبةٍ فيهم؛ من قولك ظهرت على فلانٍ ظهوراً وظهراً. وفي القرآن: " ليظهره على الدين كله ".

أبر بأيمانٍ وأجرأ مقدماًوأنقض منا للذي كان من وتر
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

ولما أراد بالخيل أصحابه وفرسان جيشه ساغ أن يقول وأنقض منا. ويشبه هذا ما يحي. من صلة الذي في مثل قوله:

أنا الذي سمتن أمي حيدرة

فقال سمتن والوجه سمته. وباب الصلات والصفات تتداخل وتتشابه. فيقول: لم أر أوفى بالنذور والأقسام إذا عقدناها والتزمناها، وأجرأ إقداماً وثباتاً في وجوه الأعداء إذا ناصبناها وكاشفناها، وأسعى في نقض الأوتار وإدراك الذحول بعد إبرامها وتعقدها منا. ونقض الوتر هو حل عقده باشتفاء النفس من الواتر الذي يبرمه. وكان الشريف الأنف منهم إذا أصيب ووتر ينذر أنه لا يشرب خمراً ولا يقرب امرأةً، ولا يغسل رأساً، وما يجري هذا المجرى مما يكرث النفس إذا أخلت به، حتى ينال الوتر. لهذا قال امرؤ القيس بعد تأثيره في بني أسدٍ ونيله منى النفس فيهم:

حلت لي الخمر وكنت امرأًعن شربها في شغلٍ شاغل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «يا دار ماوِية بالحائلِ»
فاليوم أسقى غير مستحقبٍإثماً من الله ولا واغل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «يا دار ماوِية بالحائلِ»

فأما قول الأعشى:

فأظعنت وترك في دارهمووترك من قبلهم لم يقم

فهو في طريقة قوله نقضت الوتر منه.

عشية قطعنا قرائن بيننابأسيافنا والشاهدون بنو بدر
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

أضاف القرائن إلى بيننا لأنه جعله اسماً ونقله من باب الظروف. وعلى هذا قراءة من قرأ: " لقد تقطع بينكم " بالرفع، والمعنى وصلكم. ولك أن تروى قرائن بيننا فلا تضيف وتترك بيننا في بابه ظرفاً، كما قد قرئ: " لقد تقطع بينكم " بالنصب. ويعني بالقرائن الأرحام والأواصر.

وانتصب عشية على أنه بدلٌ من قوله يوم أدركت بني شمجى فيقول: لم أر خيلاً تماثلها عشية أرسلنا دوابنا على أعدائنا، وأوقعنا أنفسنا عليهم، فقطعنا باستعمال السيوف الوصل الجامعة لنا، والأسباب الناظمة لشتاتنا، وبنو بدر حاضرون لنا، ومتوسطون لما نثيره بيننا، والمشاهدون لبلائنا، والمصدقون لما ندعيه من فعلنا.

فأصبحت قد حلت يميني وأدركتبنو ثعلٍ تبلى وراجعني شعري
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

يقول: أتى على الصباح ثاني ذلك اليوم، وقد حل نذري، وأدرك قومي ذحلي، وانطلق بالفخر لساني، فصرت خفيف الظهر بعد أن كنت مثقلاً بعبء الوتر، وكان الشعر هاجرني وفارقني مدة السعي في نيل المطلوب من إمكان فرصةٍ أنتهرها، ثم راجعني. وهذا ضد قول الآخر:

فلو أن قومي أنطقتني رماحهمنطقت ولكن الرماح أجرت
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ومرد على جرد شهدت طرادها»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.