تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال قبيصة بن النصراني

ألم تر أن الورد عرد صدرهوحاد عن الدعوى وضوء البوارق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

التعريد: ترك القصد وسرعة الانهزام. والمراد بالدعوى قول الكماة من يبارز! وخذها وأنا فلانٌ! وأنا الذي من شأنه كذا! وأشباهه. والبوارق، جمع بارقةٍ: السيوف وسائر الأسلحة.

وقائل هذه الأبيات يعتذر من إحجامٍ اتفق، وتأخرٍ عن الزحف ظهر للناس من فعله، فأخذ يورك بالذنب على فرسه، وإن نفرته كانت السبب في نكوصه، فقال على طريق التلهف والتوجع: أما تعلم أن فرسي الورد انحرف عن القصد صدره، وتولى إلى غير الوجهة التي أريدها وجهه، لنفوره عن تداعي الأبطال، ونكوله عن لمعان السيوف والرماح.

وأخرجني من فتيةٍ لم أرد لهمفراقاً وهم في مأزقٍ متضايق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

قوله وأخرجني معطوفٌ على ما اعتل به من نفور الفرس، ومعدودٌ فيما أمله من جنايته عليه. والواو من قوله وهم في مأزق واو الحال، والأزق: الضيق في

الحرب، ومأزقٌ مفعلٌ منه. وقال متضايق لأن ضيق المكر في المعارك يحصل شيئاً بعد شيءٍ. فيقول: فرق بيني وبين فتيان أحببت الكون معهم، وأوجبت على نفسي ممالأتهم ومساعدتهم، في وقتٍ كنت خليقاً بالثبات معهم، وإظهار البلاء في نصرتهم، وكانوا مدفوعين منه إلى ضنك مجالٍ مثلي يستدعى له، ويستنهض للإعانة فيه.

وعض على فأس اللجام وعزنيعلى أمره إذ رد أهل الحقائق

هذا بيان جماح فرسه وتأبيه عليه، فيقول: ركب رأسه وغلبني على أمره، فلما كر أهل الحقائق لم أقدر على الكر معهم، ولا ملكت رد فرسي مع ردهم. وأهل الحقائق هم الذين يبلغون فيما يلونه ما يحق ويجب. ويقال حققت العقدة، إذا شددتها.

فقلت له لما بلوت بلاءهوأبى بمتعٍ من خليلٍ مفارق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

يروى: وأبنا تمتع. وله، الضمير للفرس. كأنه كان يخاطبه متحسراً ويباثه متلهفاً، ويقول بعد أن مني منه بما مني، وابتلى من نفرته وركوب رأسه بما ابتلي: من أين لي الاستمتاع من خليل فارقته، وكيف أساعده وأتحمل عنه ثقلاً وقد باعدت بيني وبينه. فقوله وأني بمتعٍ في موضع المفعول لقلت. ويقال متع بكذا واستمتع، ومتعه الله به وأمتعه. ومن روى: وأبنا تمتع يدخل وأبنا في جملة ما اتصل بلما، ويكون المعنى: ولما بلوت بلاءه وأكرهني على مراده، فانصرفنا من مقصدنا، قلت له مقرعاً ومتوجعاً: الآن تمتع من أجلٍ خليل بعدت بيني وبينه. كأن تفجعه امتد أولاً وآخراً، وقبل الأوبة وبعدها وجواب لما في الوجهين قوله فقلت بما اتصل به.

أحدث من لاقيت يوماً بلاءهوهم يحسبون أنني غير صادق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

يقال حدثته كذا وبكذا، فيحمل على خبرته كذا وبكذا، ونبأته كذا وبكذا. قال الهذلي:

ولكن خبروا قومي بلائي

وقال الآخر:

وأنبأته أن الفرار خزايةٌ

يقول: أبث في الناس قصتي وقصة فرسي، وأخبر كل من لاقيته بجنايته علي وبلائه معي، وهم بحسدهم وسوء رأيهم يوجهون الظنة إلي، ويسلطون التهمة علي، فأنا بين تكذيبٍ وتعييرٍ معهم وفيهم.

وقال أيضاً:

هاجرتي يا ابنة آل سعد

أأن حلبت لقحةً للورد

يروى هاجرتني على الخطاب، والكلام به ظاهر الاستقامة، ويروى هاجرتي، والمعنى أنت هاجرتي. وقال يا ابنة آل سعد يجوز أن يريد يا ابنة سعد فزاد الآل كما يزاد لفظه حي وذو. ومثله قول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:

إن ابن آل ضرار حين أندبهزيداً سعى لي سعياً غير مكفور
للشاعر سُبيع التيمي، اقرأ القصيدة

أراد إن ابن ضرار. وهذا بابٌ واسعٌ مختلفٌ. ويجوز أن يكون جعلها ابنة الآل إعظاماً لها، كما يقال يا ابنة القوم، وقد تقدم القول في الآل وحقيقته. واللقحة: الناقة الحلوب؛ ويوصف به، لا يقال ناقةٌ لقحةٌ، بل يجرى مجرى الأسماء. يقول: صارمتني أيتها المرأة حين آثرت فرسي الورد بلبن لقوحى، فأخرج قوله أأن حلبت مخرج التقريع والتوبيخ، وإن كان لفظه لفظ الاستفهام، لأن المراد به: ألأن حلبت، أي ألهذا الشأن كان منك الهجران لي.

جهلت من عنانه الممتد

ونظرى في عطفه الألد

إذا جياد الخيل جاءت تردى

مملوءةً من غضبٍ وحرد

قوله جهلت من عنانه يجوز على مذهب أبي الحسن الأخفش أن يكون زاد " من " في الواجب، أراد جهلت عنانه، ويكون قوله، ونظرى في موضع النصب عطفاً عليه إن شئت. ومما حكاه من الحجة له القول بعضهم: قد كان من مطرٍ، قد كان من شيء فخل عني. وعلى مذهب سيبويه يكون فيه وجهان: أحدهما أن يكون الكلام محمولاً على المعنى، لأن الجهل نفي العلم، كأنه قال بدل جهلت: ما

علمت وما عرفت. والثاني أن يكون حذف مفعول جهلت كأنه قال جهلت من عنانه الطويل مذلوله من العتق والنجابة، لأن الذي جهلته ذلك، إذ كان امتداد عنقه يدرك مشاهدة. والشاعر أبل يبين عذرها فيما أنكرته وعذر نفسه تفقده فرسه فقال: جهلت ما أعرفه من كرمه ونجابته، وما أتبينه وأستدل عليه من امتداد عنقه ولجاج جانبه، واعتراضه في مشيه، فلذلك استعظمت إيثاري إياه. وذكر العنان والقصد العنق لأن طوله بطولها، واللدد أصله في الخصومة، يقال خصمٌ ألد. وقوله إذا جياد الخيل إذا ظرفٌ لما دل عليه قوله في عطفه الألد. وقوله تردي في موضع الحال، والعامل فيه جاءت. والرديان: ضربٌ من المشي. قوله مملوءةٌ في موضع الحال، والعامل فيه تردى. والحرد: القصد، وفي القرآن: " على حردٍ قادرين "، أي على جدٍ من أمرهم، والمعنى: إذا جاءت الخيل العتاق قد حميت ونشطت فامتلأت غضباً، وصار مشيها ردياناً، كان في عطف هذا لددٌ واعتراضٌ، وفي مشيه اقتسار والتواءٌ. والعطف من كل شيء: جانبه من لدن رأسه إلى وركه. ويقال: ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.