تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال متعم بن نويرة يرثي مالكاً أخاه

لقد لامني عند القبور على البكارقيقي لتذراف الدموع السوافك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
فقال أتبكي كل قبرٍ رأيتهلقبرٍ ثوى بين اللوى فالدوانك
فقلت له إن الشجا يبعث الشجافدعني فهذا كله قبر مالك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

يقول: استسرف رفيقي بكائي عند القبور، واستفظع سيلان الدموع من عيني فقال موبخاً: أمن أجل قبرٍ لك بين اللوى فالدوانك تبكي عند كل قبرٍ تراه؟ فأجبته بأن الحزن يهيج الحزن فاتركني، فكل قبرٍ أنتهي إليه يذكرني قبر مالكٍ، إذ ليس لي في قبر مالكٍ إلا مثل مالي في القبور كلها. يريد أن أسباب الحزن ومهيجاته تتشابه، فكلٌ منها يقوم مقام الآخر ولا سيما وقد توافقت في الجنسية. وقوله لتذراف الدموع السوافك أي من أجله، بعد قوله على البكا، فيه من الفائدة المتجددة التبيه، على إجابة الدموع له، وانصبابها بحسب مراده، حتى لا جمود من الحجاج في شيءٍ من الأوقات، ولا توقف من السيلان في حالٍ من الحالات، وليس كل باكٍ بهذه الصفة. فكأنه لامه على البكاء من أجل ما استنكره من إجابة الدموع السائلة له، إذ كان ذلك بالضرر عليه أعود، وإلى بطلان العين بمكانه أدعى. وقال السوافك والسفك صب الدم والدمع، فوصف الدموع بها لأنها جمع سافكةٍ، والمراد ذوات السفك. والسفك أيضا: نثر الكلام. ويقال: رجل سفاكٌ للدماء، وسفاكٌ بالكلام، أي يثير الكلام ويصب الدماء.

وقوله بين اللوى فالدوانك اكتفى بين باللوى، وهو مسترقٌ الرمل لوقوعه على أماكن مختلفة، ولما اكتفى به جاز أن يترتب عليه فالدوانك. ولو روي والدوانك كان جائزاً، إلا أن اللوى حينئذ لا يتصور شموله لبقاع كما يتصور في أسماء الجموع شمولها للكثير، نحو القوم والرهط والعشيرة.

والشجا: الحزن. يقال شجاه يشجوه شجواً، فشجي يشجي شجاً. ومعنى يبعث يهيج ويثير. وعلى هذا قولك بعثته من منامه، والبعث في الجند. وقوله فهذا كله قبر مالك أشار بهذا إلى الجنس كما هو، كأنه أراد جنس القبور؛ يدل عليه إتباعه إياه بما يفيد العموم، وهو وقوله كله. ويقال ذرفت عينه ذرفاً وذرفاناً وذريفاً. فأما قوله تذارف فهو من باب ما تكثر فيه المصدر من فعلت وتلحقه الزوائد وتبنيه بناءً آخر على غير ما يجب للفعل، قصداً إلى المبالغة والتكثير. وقوله الدوانك علمٌ لموضعٍ. ودونك فيما أظنه مهملٌ.

ومالك بن نويرة قتل في الردة أيام أبي بكرٍ ﵁.

؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب المراثي: قال أبو خراشٍ الهذلي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.