تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال هشامٌ أخو ذي الرمة

تعزيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاءً وجفن العين ملآن مترع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»

هشامٌ هذا فجع بأخيه أوفى، وأني عليه زمانٌ مقاسياً لآلام الفجيعة به، ثم أصيب بعده بغيلان - وهو ذو الرمة - فيقول: تسليت عن الرزيئة بأوفى أخي، بعد أن أصبت بغيلان عقيبه، وجفن عيني مملوء دمعاً، عزاءً. وانتصب عزاءً على المصدر، وهو موضوعٌ موضع التعزي، والفعل من العزاء عزى وعزي جميعاً، أي صبر. ويقال: هو حسن العزوة، أي العزاء، وبناء تعزى بناء تكلفٍ. والواو من قوله وجفن العين واو الحال، والعامل في موضع الجملة تعزيت. وفائدة اقتران هذه الحال بما قبله هو أن يتبين به ضعف العزاء المشار إليه؛ لأن العزاء المتكلف إذا صحبه البكاء لم يكن عزاءً في الحقيقة، ولا يمتنع أن يكون الجملة التي هي وجفن العين ملآن في موضع الصفة لعزاءً، لأنك إذا قلت رأيت رجلاً ومعه غلامه، معناه رجلاً بهذه الصفة، فكذلك يكون المراد عزاءً بهذه الصفة وهي أن يصحبه البكاء. ولا يجوز أن يكون العامل في موضع قوله وجفن العين عزاءً إذا جعلته حالاً؛ لأن

الاعتماد على الفعل، وعزاءً معموله، والمصدر وقد تبع الفعل معمولاً له يؤكده لا يعمل في غيره عمله، ولا فعل معه. وقوله مترع أراد الامتلاء وزيادةً، وهو الانصباب. يقال أترعت الإناء، إذا ملأته ملأً يضيق عما يحويه حتى ينصب منه. ويقال ترع الإناء وأترع بما فيه. والمتترع: المتسرع إلى الشر المقتحم فيه، منه. وجعل الامتلاء للجفن لأنه ممسك الدمع، وأصل الجفن الحبس، لذلك قيل لقراب السيف: جفن.

نعى الركب أوفى حين آبت ركابهملعمري لقد جاءوا بشرٍ فأوجعوا
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
نعوا باسق الأفعال لا يخلفونهتكاد الجبال الصم منه تصدع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»

أتبع ما تقدم باقتصاص نعي الركبان لأوفى، كأنه أراد أن يذكر ابتداء المصاب به ليتبين كيف توفر الجزع عليه، وكيف انصرف ما انصرف منه إلى ما تعقبه من المصاب الثاني، فيقول: ذكر الركبان موت أوفى عند إيابهم، ولعمري لقد ذكروا شراً عظيما، وأوجعوا قلباً سليماً. وقوله نعوا باسق الأفعال أعاد ذكر النعي تفظيعاً للشأن. ويقال نعى نعياً ونعياً ونعياناً، أي خبر بالموت. وقولهم: نعاء فلاناً، لفظةٌ يشهرون بها موت الرئيس. ومعنى باسق الأفعال لا يخلفونهأنهم ذكروا موت رجلٍ على الشأن، شريف الأفعال، رفيع الحكمة، هم بأجمعهم لا يقومون مقامه فيما كان يتولاه في الحي من الإحسان إليهم، والتحمل عنهم، وبسط الخير فيهم، والبسوق في الأفعال، وهو في الأصل الطول والاستكمال، ويجوز أن يكون إشارةً إلى أنه لا يدرك غايتها، فكل فعلٍ يقع من غيره إذا قيس إلى ما يأتيه يتضع دونه، وينحط عن رتبته، فلا يعلو علوه، ولا يكمل كماله. وعلى هذا قولهم: فلانٌ رفيع الفعال علي المقال. ويجوز أن يريد بالبسوق امتداد الصيت بها، وصعودها في درج تقبل الله تعالى إياها إلى السماء. وهذا كما يقال: قولك هذا يرتقي إلى الملاء الأعلى. وهذا الشعر إسلاميٌ، فلا يمتنع أن يشير فيه إلى قوله ﷿: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ". وقوله " تكاد الجبال الصم منه تصدع " منقطعٌ مما قبله ويجري مجرى الالتفات، لأنه لما قال نعوا باسق الأفعال لا يخلفونه كأنه أقبل على من حوله فقال: تكاد الجبال الصم منه تصدع، ويكون الضمير من قوله منه يرجع إلى النعي، ودل عليه قوله نعوا. وهذا كما يقال: من حمد الله تعالى كان خيراً له، أي كان الحمد خيراً له. والمراد بالصم الصلاب كأنه لا خروق في أثنائها ولا تخلخل.

خوى المسجد المعمور بعد ابن دلهمٍوأمسى بأوفى قومه قد تضعضعوا
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»

ابن دلهمٍ كان السبب في عمارة المسجد الذي أشار إليه، فلما مضى لسبيله صار المسجد خالياً إذ كان هو المراعي والمتفقد لصلاح أمره. وأوفى - يعني الذي يرثيه - كان قوام أمر عشيرته به، وانتظام شئونهم بمكانه، فلما ثل عرشه وأصيبوا به اضطربت أحوالهم، واتضعت رتباتهم، فصاروا بعده كالمسجد المعمور بعد ابن دلهمٍ. أراد أن يشبه تضعضع القوم بموت أوفى، بخراب المسجد بموت ابن دلهم فلم يأت بلفظ التشبيه إذ كان معناه من الكلام مفهوماً. والضعضعة: الخضوع والتذلل.

فلم تنسني أوفى المصيبات بعدهولكن نكء القرح بالقرح أوجع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»

القرح والقرح لغتان في عض السلاح وما يجرح في الجسد. ويقال إنه لقرحٌ قريحٌ، وقرح قلبه من الحزن. ونبه بهذا الكلام على أن الجزع بأوفى لم يزله ما تعقبه من المصائب، ولكنه زاده اشتداداً، ثم شبهه بالقرح وهو الجرح، وقد جلب ويبس، إذا نكئ وقرح ثانياً، أي أدمي وقشرت جلبته كما أن القرح إذا فعل به ذلك كان إيجاعه أشد وأبلغ، فالهلع بموت أوفى وقد أمد بمصابٍ آخر يكون أتم وأكمل. وقوله أوجع موضوعٌ موضع أشد إيجاعاً.

فإن قيل: كيف صلح ذلك، وأفعل الذي للمبالغة والتفضيل يتبع ما أفعله وكذلك أفعل به، وفعل التعجب يجب أن يكون من الثلاثي لا غير: فَعَل وفَعُل وفَعِلَ، وأوجعني ليس منها؟ قلت: ذلك سائغٌ على مذهب سيبويه، إذ كان عنده أن فعل التعجب يكون من الثلاثي ومما كان على أفعل خاصة، على ذلك حكي قولهم: ما أعطاه للمال، وما آتاه للخير، وإنما هما من الإيتاء والإعطاء، لا من الأتي والعطاء، وكذلك قولهم: ما أسداه للمعروف، وذلك لكثرة وجوه الشبه بين فعل وأفعل، ألا ترى أنهما يتفقان في معنىً، وأه يقال في مفعولهما مفعولٌ، وفي فاعلهما فاعل، وأن كل واحدٍ منهما يقع في مطاوعة الآخر، إلى غير هذا من الشبه. وكان أبو العباس المبرد يقول: ذلك جائزٌ على حذف الزوائد، يعني بناء التعجب من أفعل ويشبهه بقول الشاعر:

يكشف عن جمامه دلو الدال

وقوله:

ومهمه هالك من تعرجا

ويقول الله تعالى: " وأرسلنا الرياح لواقح ". ويجوز مثل هذا في كل ما كان أصله ثلاثياً على أي بناءٍ حصل. وكان يتبع مذهب الأخفش في ذلك، فاعلمه.

؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب المراثي: قال أبو خراشٍ الهذلي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.