تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو عطاءٍ السندي

ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطٍعليك بجاري دمعها لجمود
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة
عشية قام النائحات وشققتجيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدود

افتتح كلامه بألا، ثم أخذ يعظم أمر الفجيعة، ويبين موقعها من النفوس، وشدة تأثيرها في القولب، واشتراك الناس كافةً في الجزع لها، والهلع عليها، فقال: إن عيناً لم تتسخ بدمعها الجاري على هذا المرثي يوم واسطٍ لجمود الحجاج على المصائب، شديدة البخل بما في شئونها من الذخائر. والجمود: ضد الذوب، واستعماله في الدمع مجاز.

وقوله عشية قام النائحات بدلٌ من قوله يوم واسطٍ، وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال، وهو توقيتٌ وتحديدٌ، إلا أن فيه بياناً لتفظيع الشان. وعلى هذا ضبطهم لمدى الأوقات في ترتيب النوائب، والتنبيه على ما يتقدم من الأحداث أو يتأخر. ومعنى قيام النائحات، تهيؤها للنوح. وعلى هذا قولهم: قامت السيوف، وقوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة. وأصل التناوح: التقابل، يقال

في الجبلين المتقابلين: هما يتناوحان. وقوله شققت جيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدود فالمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر، وأصله من الأتم، وهو التقاء المسلكين، ومنه أيضاً الأتوم في صفة النساء. وهذا الكلام وإن كان اقتصاص حالٍ ففيه دلالةٌ على تمكن الجزع بالمصاب من كافة الناس، وتناهيهم فيما يستدل به على شدة تأثيره فيهم.

فإن تمس مهجور الفناء فربماأقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهدٍبلى كل من تحت التراب بعيد
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة

الرواية المختارة: " وربما أقام به بعد الوفود وفود "، بالواو، وذلك أن الشرط في قوله فإن تمس مهجور الفناء جوابه فإنك لم تبعد، ويصير: وربما أقام بيان الحال فيما تقدم من رياسته وقت توفر الناس على قصده وزيارته. والمعنى: إن مت وصرت مهجور الساحة مرفوض الخدمة - وربما كانت الوفود فيما مضى من حياتك تزدحم على بابك، وتتلاقى في فنائك - فإنك الساعة لم تبعد على من يتعهدك، ويرى قضاء حقك، وإقامة الرسم في واجبك، ثم قال مستدركاً على نفسه: بلى كل من تحت التراب فقد بعد عن ذلك كله. ويعني بالوفود طلاب الحاجات والمؤدين لواجبات الشكر، إذ كان في حياته المقصود والمشار إليه، والمصطنع لطوائف الناس بما يتفرق من إحسانه فيهم.

وقوله على متعهدٍ يريد متتبع العهود بالحفظ لها، ومنعها من الضياع والدروس. وكما يقال: تعهدت الشيء إذا تأملته هل بقي على ما عهدته، يقال: تفقدت الشيء إذا تأملته هل لحقه فقودٌ أم لا. وإذا روبت فربما أقام به بعد الوفود وفود، وجعلته جزاءً للشرط، يصير فإنك لم تبعد استئناف كلامٍ، ويكون الفاء رابطةً لجملةٍ على جملةٍ، والمعنى: إن هجر فناؤك الساعة لموتك فربما كان مألفاً للوفود أيام حياتك. وفي طريقته قول الآخر:

فقد كان يخشاك الكمي ويتقيأذاك ويرجو نفعك المتضعضع

فإن قيل: الشرط والجزاء لا يصحان إلا فيما كان مستقبلا؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول القائل: إن خرجت أمس أعطيتك فيه درهماً؛ لأن الوقت وقد انقضى

لا يصح تعليق الشرط والجزاء به، وإنما يعلقان أبداً بما يستأنف من الزمان، حتى يصح من الفاعل إيقاع فعله به واستحقاقه الجزاء عليه. قلت: إن الأمر في الشرط على ما ذكرت إلا في لفظ كان، لأنهم جوزوا أن يقول القائل: إن كنت خرجت أمس إلى موضع كذا أعطيتك اليوم كذا، والمعنى إن ثبت في علمي وقوع الخروج منك أمس. وجوزوا هذا في لفظة كان لقوته في العبارة عن الأحداث، فأما الجزاء فلا يجوز فيه مثل هذا لا بلفظة كان ولا بغيره. ويمتنع أن يقال: إن تجئني اليوم أعطيتك أمس، على أن تكون العطية سلفاً في جزئه على فعله. فإن قيل: كيف جاز أن تقول على هذا " فربما أقام " وأقام بناء ماضٍ؟ قلت: إن الجواب في قوله فربما ليس بالفعل، وإنما هو بجملةٍ من مبتدإٍ وخبرٍ، كأنه قال: ففناؤك ربما أقام به بعد الوفود وفودٌ فيما مضى. والفاء في جواب الجزاء إنما تجلب إذا كان الجزاء غير موافقٍ للشرط، وهو أن يكون مبتدأً وخبراً، لا فعلاً وفاعلاً، وإذا كان كذلك فقد سلم اللفظ وصار المعنى: إن أمسى فناؤك مهجوراً الساعة فربما كان مألوفاً من قبل. والعرب تقول: هذا بذاك. أي عوضٌ من ذاك. فأما وقوع الماضي بعد إن فلأن إن ينقله بكونه شرطاً إلى المستقبل، وهذا كما ينقل لم بناءً المستقبل إلى الماضي. وهذا ظاهرٌ.

؟؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب المراثي: قال أبو خراشٍ الهذلي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.