من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال آخر (١٧)
لو كان حوض حمارٍ ما شربت بهإلا بإذن حمارٍ آخر الأبد
حمارٌ اسم أخيه، وكان في حياته يتعزز به فلا يعترض عليه أحدٌ فيما يفعله، ولا يطمع إنسانٌ في اهتضام جانبه وقصده فيما يختصه، فلما أصيب به استلين جانبه، واستبيح حريمه، حتى إنه جبى ماءً في حوضٍ ليسقي إبله منه، فجاء من زاحمه فيه واستبد به دونه، فقال متلهفاً: لو كان هذا الحوض حوض حمارٍ أخي ما جسرت على شرب مائه، ولا على امتهانه فيه، بل كنت تستأذنه ثم تقدم عليه. وقوله آخر الأبد يتعلق بقوله ما شربت به. فأما تكريره لفظة حمارٍ فهم يفعلون ذلك في الأعلام وما يجري مجراها، وفي أسماء الأجناس، ويكون القصد إلى التعظيم في التكرير.
على ذلك قوله تعالى: " رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته " وقول الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌنغص الموت ذا الغنى الفقيرا
وقد قيل إن حماراً المذكور اسم رجلٍ كان يضرب به المثل في الذل، فلذلك ذكره. ولا يجوز أن يراد به واحدٌ من الحمر، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يقول في الثاني إلا بإذن الحمار؛ لأن النكرة إذا أعيد ذكرها يجب تعريفه بالألف واللام إشارةً إليه. على هذا كتب في أواخر الكتب وقد قدم في أوائلها: سلامٌ عليك: والسلام عليك.
لكنه حوض من أودى بإخوتهريب الزمان فأمسى بيضة البلد
هذا الكلام فيه تنبيهٌ إلى شدة فاقته إلى من يذب عنه، وتأكد جزعه لما فاته من الصيانة بإخوته، فيقول: لكنه حوض رجلٍ فرق الدهر بينه وبين من كان يعتز به، ويدفع الظلم والهضيمة عن نفسه بمكانه، فأمسى لا ناصر له، ولا دافع دونه، كبيضة البلد. وقد قيل في بيضة البلد: إنه أراد بيض النعام، لأنها سيئة الهداية، فتضع بيضها في موضع، ثم تتركه ضلالاً عنه فتضيع، وربما تذهب وتحضن بيض غيرها تظن أنها بيضها. وقد ضرب المثل بها فقيل:
كتاركةٍ بيضها بالعراءوملبسةٍ بيض أخرى جناحا
وقد قيل: إن بيضة البلد هي الكمأة البيضاء تنشق عنها الأرض - وهي الفقع - فتطؤه الماشية، وتنقره العافية، ولذلك قيل: أذل من فقعٍ بقاعٍ. وكما ضرب المثل ببيضة البلد في الذل ضرب المثل بها في العز أيضاً. وقد مضى ذكرها. وأنشدني بعضهم لأخت عمرو بن عبد ودٍ ترثي أخاها، وكان أمير المؤمنين ﵇ قاتله:
لو كان قاتل عمروٍ غير قاتلهبكيته ما أقام الروح في جسدي
لكن قاتله من لا يعاب بهوكان يدعى قديماً بيضة البلد
والمراد إذا مدح أنه لا نظير لها، ولا أخت معها، فالنعامة تطيف بها إشفاقاً عليها. ومما يحتج به في الذم قول الآخر:
إن أبا نضلة ليس من أحدضل أباه فهو بيضة البلد
وبيضة الإسلام: جماعتهم. ويقال تفرى بيضة الأرض عن بني فلانٍ، إذا تناسلوا وكثروا. وبيضة الخدر قد تقدم القول فيه.
لو كان يشكي إلى الأموات ما لقي الأحياء بعدهم من شدة الكمد
ثم اشتكيت لأشكاني وساكنهقبرٌ بسنجار أو قبرٌ على قهد
قصده إلى بيان بر أخيه به أيام حياته، فقال: لو جرت العادة بتكلف الأحياء الشكوى إلى الأموات، وإنهاء ما يقاسونه من الجزع فيهم، ومن النوائب بفقدهم وبعدهم، ثم كان ينفع ذلك أو يثمر إصغاءً وإجابةً، وجريت أنا على عادتهم في مباثة أخي، والإفاضة في الشكو إليه، لأرضاني وأزال شكواي.
وقوله أشكاني يقال شكوته فأشكاني، كما يقال طلبت منه كذا فأطلبني، وعتبت عليه فأعتبني. وقوله وساكنه قبرٌ بسنجار أو قبرٌ على قهد، قدم المعطوف وهو ساكنه على المعطوف عليه، وهو قبرٌ بسنجار. ومثله قوله:
عليك ورحمة الله السلام
وإنما يحسن هذا إذا كان العامل مقدماً، وهو في الفعل والفاعل أكثر منه في المفعول، فأما المجرور فلا يجوز ذلك فيه، لا يجوز أن تقول مررت وعمروٍ بزيدٍ إذ كان فيه تقدم المعطوف على المعطوف عليه وعلى العامل فيه. والكمد: حزنٌ وهمٌ لا يستطاع إمضؤه، وقال الدريدي: هو مرض القلب من الحزن. يقال كمد يكمد كمداً، ورأيته كامد الوجه وكمد الوجه، إذا بان به أثر الكمد؛ وأكمده الحزن إكماداً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع