من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال ابن المقفع يرثي يحيى بن زيادٍ
رزئنا أبا عمروٍ ولا حي مثلهفلله ريب الحادثات بمن وقع
يقول: أصبنا بأبي عمرو، وهو مفقود النظير، معدوم الشبيه. فموضع ولا حي مثله نصبٌ على الحال، والعامل فيه رزينا. ثم قال على وجه التعجب: لله ريب الدهر بأي رجل وقع. فقوله بمن وقع منقطع مما قبله وإن كان فاعل وقع الضمير العائد إلى الريب المستكن، لأن قوله لله ريب الحادثات كلام مستقلٌ بنفسه فيما يفيد من إكبار الشان وتفظيع الحال. وإضافة الشيء إلى الله ﷿ تفخيمٌ وتعظيم، على ذلك قولهم: بيت الله - وإن كان الساجد لله - ولله دره. وقوله بمن وقع مستقلٌ بنفسه أيضاً وفيه استعجاب من أن يكون الدهر يعرض لمثله أو يهم به مع فخامة أمره، وجلالة نفسه. ولو قال: وبمن وقع، فزاد واواً، لكان أكشف في المعنى المراد به. ولا يمتنع أن يكون بمن وقع في موضع الحال، كأنه قال: لله ريب الحادثات واقعاً
بمن وقع، ومؤثراً موجعا، ويكون حالاً للريب، والعامل فيه ما دل عليه لله ريب الحادثات.
فإن تك قد فارقتنا وتركتناذوي خلةٍ ما في انسدادٍ لها طمع
فقد جر نفعاً فقدنا لك إنناأمنا على كل الرزايا من الجزع
حذف النون من تك قد تقدم القول فيه. والمعنى إن فارقتنا والوهى بك لا يرقع، والخلة بك لا تسد، وحديث النفس بالطمع فيك لا يخطر بالقلب ولا يجول في الفكر، فقد جلب إلينا فقدك نفعاً، وهو أمننا من تسلط الجزع علينا لرزيئةٍ مستأنفةٍ، أو نكبةٍ معترضة، إذ كان خوفنا عليك، وحذرنا فيك. وقوله ما في انسدادٍ لها طمع في موضع الجر، لأنه صفةٌ لخلةٍ. يريد ما لنا طمعٌ في انسدادٍ من أجلها وبعدها يحصل. وجواب إن تك، الفاء مع ما بعدها من قوله فقد جر نفعاً، وإنما جلب الفاء لمخالفة الجزاء للشرط بكونه مبتدأ وخبرا، والمبتدأ محذوف كأنه قال: والأمر والشان قد جر فقدنا لك نفعاً. وقوله إننا أمنا إذا كسرت الهمزة من إن يكون على الاستئناف، ويكون جملة الكلام تفسيراً للنفع المستجد له، وإذا رويت أننا بفتح الهمزة يكون بمعنى لأننا أمنا، فيكون الكلام بياناً لعلة حصول النفع. ويجوز أن، يكون موضع أننا نصباً على البدل من نفعاً.
وقوله على كل الرزايا، على تعلق بقوله أمناً، يقال هو آمنٌ على كذا، وقد أمنت على مالي عند فلانٌ من امتداد الأيدي إليه، أي لا تمتد، كذلك أمنا على كل الرزايا من الجزع، أي لا نجزع. وأتى بلفظة العموم فيه، وهو كلٌ، إبذاناً بتساوي الخطوب عنده، وانحطاطها عن درجة المصاب به وفيه، حتى لا جزع يتجدد بعده لحادثٍ يحدث ولا يجوز أن يتعلق قوله على كل الرزايا بقوله: من الجزع، لأنه لو كان كذلك لكان في صلته، والصلة لا تتقدم على الموصول.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع