من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الأشجع السلمي
مضى ابن سعيدٍ حين لم يبق مشرقٌولا مغربٌ إلا له فيه مادح
يقول: فجع الناس بابن سعيدٍ حين كمل وبرع وشمل نفعه فعم حتى لم يبق بقعةٌ من جوانب الشرق والغرب إلا وترى فيها شاكراً لنعمه، حامداً لفعاله، مادحاً لفرط إحسانه. وإنما يعظم الرزء باستكمال فضائل المرثي، وشمول فواضله.
وما كنت أدري ما فواضل كفهعلى الناس حتى غيبته الصفائح
قوله ما فواضل كفه استفهامٌ، وموضع الجملة من الإعراب أنه مفعول أدري وقد علق عنه، والمعنى: ما أدري ما يقتضى هذا السؤال. والفواضل: جمع فاضلة، وهو اسمٌ لما يفضل من ندى كفه فيتجاوزها إلى الناس. ويجوز أن يكون فاضلةٌ مصدراً بمعنى فضلٍ أو إفضالٍ، فيكون كالعافية والقائم من قولهم قم قائماً، والبالية من قولهم ما أباليه باليةً، ثم لاختلافه جمعه. والمصادر تجمع إذا اختلفت؛ على ذلك قولهم العلوم والعقول وما أشبههما. وإذا جعل كذلك يكون قد عدى فواضل وهو جمعٌ مكسرٌ إلى قوله على الناس. وحصل من هذا الكلام أن قوله على الناس يتعلق بفواضل على وجهين: أحدهما أن يكون فواضل جمع فاضلة، وهو اسم للفاعل، والثاني أن يكون فواضل جمع فاضلة، وهو مصدرٌ، وتعدى مثله ليس بكثير.
وقوله حتى غيبته الصفائح معناه إلى أن غيبته الصفائح. والصفائح: أحجار عراضٌ سقف بها قبره. يقول: لم أتبين مقادير إحسانه عند الناس، ومبالغ أياديه لديهم، وفنون بره بهم، وانصباب مننه إليهم، لاختلاف مواقعها، ولخفاء كثيرٍ منها على حسب قصوده في الإفضال، ولتباين مواضع الصنيعة في التفصيل والإجمال، إلى أن خلى مكانه فظهرت الفاقة على متحملي نعمه، وتظاهر الحمد والثناء من الكافة على اختلاف منازلهم وتباعد مظانهم، فحينئذ بان لي كثرتها وتوفرها.
فأصبح في لحدٍ من الأرض ميتاًوكانت به حياً تضيق الصحاصح
قوله في لحدٍ موضعه نصبٌ على أن يكون خبر أصبح، وانتصب ميتاً على الحال، وكذلك قوله حياً انتصب على الحال. ولا يجوز أن يكون لحدٍ في موضع الحال وميتاً خبر أصبح، لأن ميتاً من الصدر في مقابلة حياً من العجز، ولا يكون ذلك إلا حالاً، فكذلك يجب أن يكون ميتاً، وإلا اختلفا وفسد المعنى. يقول: أصبح وهو ميتٌ يتسع له لحدٌ من الأرض، وكانت الصحاصح تضيق عنه وهو حيٌ. فيجوز أن تكون تضيق عن جيوشه وأصحابه الذين كانوا يحيون بحياته، ويسطون على الدهر بعزته، ويجوز أن يريد بالضيق ما كان يبث من إحسانه، وينتشر من جدواه في أهل الأرض ويشملهم من المنافع بمكانه وجاهه، فيكون التقدير أنها لو جسمت لكانت الصحاصح تضيق عنه. والصحصح والصحصحان: الأرضون المستوية الواسعة. وفي طريقته للبحتري:
كانوا ثلاثة أبحرٍ أفضى بهاولع المنون إلى ثلاثة أقبر
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغضفحسبك مني ما تجن الجوانح
ضمن له دوام البكاء ما دامت الدموع تجيبه وتساعده، فإن عجزت ونقصت عن المراد، وانقطعت أوان الحاجة، فكافيه منه ما تشتمل عليه جوانحه، ويتضمنه صدره وفؤاده. وقوله ما فاضت في موضع الظرف، أي مدة فيضها. وقوله حسبك مبتدأ وخبره ما تجن. وقد يتم حسبك بنفسه فلا يحتاج إلى خبرٍ، فيقتل حسبك، وحينئذٍ يتضمن معنى الأمر، كأنه يراد به اكتف، ولذلك يستقل الكلام به. ويقال: غاض الماء وغضته. والجوانح: الضلوع، سميت بذلك لانحنائها. والجنوح: الميل.
وما أنا من رزءٍ وإن جل جازعٌولا بسرورٍ بعد موتك فارح
قوله ما أنا من رزءٍ تبرؤٌ من الجزع على الرزء، أي ليت له بصاحبٍ وإن جل الفادح، كما أتى لست بسرورٍ به وإن عظم بفارحٍ. والمعنى: أن المنايا والعطايا تساوت أقدارهما عندي بعدك، لأنك كنت المرجو عندي. والمخوف عليه لدي، فلما فاتني القدر بك أمنت من الجزع لحادث شرٍ، ويئست من الفرح لنائب خيرٍ. ولو قال بذل جازعٍ وفارحٍ: جزعٍ وفرحٍ، كان أفصح وأكثر، لأن فعل إذا كان غير متعدٍ فالأجود والأقيس في مصدره فعلٌ، وفي اسم الفاعل فعلٌ، وإذا كان متعدياً فبابه
فاعلٌ. وقد قيل في المريض مارضٌ، وفي السليم سالمٌ، لأن البابين يتداخلان. وقوله ولا بسرورٍ أي ولا بذي سرور فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
كأن لم يمت حيٌ سواك ولم تقمعلى أحدٍ إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المرائي وذكرهالقد حسنت من قبل فيك المدائح
قوله كأن مخفف كأن، واسمه مضمرٌ، أراد كأن الأمر أو الشأن لم يمت حيٌ سواك. والخطب إذا وقع مستغرباً كان تأثيره أشد، ونكؤه أوجع منه، إذا ألف وقوعه، وتمرن بتكرره. فيقول: إن المصيبة عظم تأثيرهافي النفوس، فكأن موتك بدع فعلات الدهر، وكأن النياحة لم تقم على من سواك، إذ كانت طوائف الناس على تباينهم وتباعد أقطارهم، واختلاف هممهم وأوطارهم، تشاركوا في الجزع لك، وتشابهوا في استعظام الأمر والخطب بك، فكأنهم لم يروا مفقوداً، ولا قامت النوائح فيهم عند بكائهم هالكاً. وقوله لئن حسنت فيك المراثي وذكرها مثله قول الآخر:
يا خير من يحسن البكاء له اليوم ومن كان أمس للمدح
وقد تقدم القول في لام لئن واليمين المضمرة في الكلام. والجواب لقد حسنت، وقوله حسنت في موضع تحسن، لأن حرف الشرط نقل المضي إلى الاستقبال، وجواب الشرط بالفاء ها هنا وقد حذف كأنه قال: إن يحسن الرثاء لك وفيك، الآن وفي مستقبل الزمان، فللمدائح فيما مضى كانت حسنةً فيك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع