تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الحريث بن زيد الخيل

ألا بكر الناعي بأوس بن خالدٍأخي الشتوة الغبراء والزمن المحل
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة
فإن تقتلوا بالغدر أوساً فإننيتركت أبا سفيان ملتزم الرجل
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة

أبو سفيان مصدقٌ ورد حيهم لاستيفاء الصدقة عليهم، فاتهم أوس بن خالد بأنه ستر بعض ماله طمعاً فيما يلزمه من الصدقة فيه، واقتطاعاً من الواجب عليه، فأخذه أبو سفيان يضربه، وارتقى ما بينهما إلى أن أدى إلى قتله، فصاحت أم أوسٍ فأغاثها قائل هذه الأبيات، ورمى أبا سفيانٍ بسهم نفذ فيه فقتله.

وقوله بكر الناعي، يجوز أن يكون معناه ابتدأ ينعاه لأن البكور أصله ذلك، ولذلك قيل في أول النهار: بكرةٌ. ويجوز أن يكون بمعنى جاء بكرةً. فيقول: ابتكر المخبر بقتل أوس بن خالد ملجأ الضعفاء، وثمال الأيتام، في الشتوة الغبراء، القليلة الأمطار، الشديدة الإمحال. والمحل: يبس الأرض. ويقال زمنٌ ماحلٌ ومحلٌ، وقد

أمحل الناس إذا أسنتوا. وقوله فإن يقتلوا بالغدر أوساً يريد أن أبا سفيان هذا كان انطوى على غلٍ لأوسٍ، وعداوةٍ كامنةٍ له، فتوصل بما ادعى من خيانته في مال الصدقة إلى ضربه وقتله، لذلك قال: إن تقتلوا بالغدر. وقوله فإنني تركت أبا سفيان ملتزم الرحل، يريد: إني اتأرت من أبي سفيان وجعلته ملتزماً لرحله لا حراك به، أي قتلته بدلاً من صاحبه.

فلا تجزعي يا أم أوسٍ فإنهتصيب المنايا كل حافٍ وذي نعل
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة

أخذ بعد اقتصاص الحال يسلي أم أوسٍ عن ابنها، وبطيب قلبها، ويعرفها أن الموت طريقٌ يسلكه الناس على اختلاف طبقاتهم، وأنه لا محيد عنه ولا معدل. وحسن ذلك منه لأنه كان قد أدرك الثأر لها، وشفى نفسها من داء مصيبتها، فأقبل يبرد غليلها بوعظه، زيادةً في الاهتمام لها والتوفر عليها.

وكان يجب أن يقول: كل ذي حفىً وذي نعلٍ، أو كل حافٍ وناعلٍ، لكنه لما وجد اسم الفاعل ينوب مناب ذي كذا، لم يبال أن يكون أحدهما بذي. وهذا يبين ما يسلكه أصحابنا البصريون في مثل قولهم: طالقٌ وحائضٌ، أنه على طريق النسبة وفي معنى ذات طلاقٍ وذات حيض، ويؤكد صحته.

قتلنا بقتلانا من القوم عصبةًكراماً ولم نأكل بهم حشف النخل
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة
ولولا الأسى ما عشت في الناس بعدهولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة

في هذا الكلام دلالةٌ على استفحال الشر بينهم حتى قتل من الجانبين عدة، لذلك قال: قتلنا بدل قتلانا من القوم عصبة يرجعون إلى كرمٍ. والعصبة: العشرة من الرجال، وقيل ما بين العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة من الناس والطير والخيل. وهذا تنبيهٌ على أن الثأر الذي أدركه منهم كان منيماً، والاشتفاء من دائه به كان مجيباً. وقوله ولم نأكل بهم حشف النخل يريد: لم نشتغل عن طلب دمهم بالأكل. وذكر الحشف إزراءٌ بذلك الطعام لو صرفت النفوس إليه مع تضايق الوقت في طلب الدم. ويجوز أن يريد: لم نأخذ ديتهم. وجعل التمر حشفاً كما قال غيره.

ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكراًوأترك في بيتٍ بصعدة مظلم
للشاعر كبشة الزبيدية، اقرأ القصيدة

والإفال والأبكر لا تؤخذان في الدية، ولكن حقر أمرها. وقوله: ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده يريد لولا التصبر والتأسي والاقتداء بهم في المصائب، لقتلت نفسي ولم أعش بعده - يعني بعد أوسٍ - في الناس، ولكن متى شئت وجدت لنفسي نظائر ممن فقدوا أعزتهم. ويشبه هذا قول الخنساء:

ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

وقوله ما عشت في الناس بعده جواب لولا، ونابت عن خبر المبتدأ وهو الأسى، كأنه قال: لولا الأسى مانعٌ لي ما عشت في الناس بعده. وقد تقدم القول في لولا، وفيما يقع فيه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.