من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال دريد بن الصمة
نصحت لعارضٍ وأصحاب عارضٍورهط بني السوداء والقوم شهدي
فقلت لهم ظنوا بألفي مدججٍسراتهم في الفارسي المسرد
يقال نصحته ونصحت له، نصحاً ونصيحةً ونصاحةً ونصاحيةً، وهو ناصح الجيب، أي ناصح الصدر. وقوله والقوم شهدي فائدته أنهم كانوا له حاضرين ومضطرين من كلامه وإشارته وبذله النصح لهم، إلى ما كان أدى إليه مراسلتهم في ذلك وهو غائبون، إذ كان يبين لهم منه ما كان يبين وقت الحضور.
وقوله ظنوا بألفي مدججٍ يجوز أن يكون معناه: ظنوا كل ظنٍ قبيحٍ بهم إذا غزوكم في أرضكم وعقر دياركم. ويجوز أن يكون معنى ظنوا أيقنوا، لأن الظن يستعمل في معنى اليقين. على ذلك قول الله تعالى: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ".
وقوله سراتهم، يعني به رؤساءهم وخيارهم، وقد مضى القول في بنائه. والفارسي المسرد، يعني به الدروع. والسرد: تتابع الشيء، كأنه أراد في الدروع
تتابع الحلق في النسج. لذلك قيل في الأشهر الحرم: ثلاثةٌ سردٌ، وواحدٌ فردٌ. وقال الخليل: السرد: اسمٌ جامعٌ للدروع وما أشبهها من عمل الحلق، لأنه يسرد فيثقب طرفاً كل حلقةٍ بالمسمار، وفي القرآن: " وقدر في السرد "، أي اجعل المسامير على قدر خروق الحلق، لا يغلظ المسمار فيتخرق، أو يدق فيقلق. ومعنى البيتين: بذلت نصحي لهؤلاء القوم بلساني وقولي فيما صلح فيه التخاطب، وبإشارتي وتعريضي، وهم لي حاضرون يسمعون ويعون، وقلت لهم: إن الأعداء لكم مترصدون، وإليكم قاصدون، وعددهم وعددهم تامة، فوسعوا مجال الظن السيء بهم إذا تمكنوا منكم، أو أيقنوا بقصدهم، على الطريقتين اللتين بينا.
فلما عصوني كنت منهم وقد أرىغوايتهم وأنني غير مهتد
لما علمٌ للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره، فيقول: لم أصروا على ما كانوا عليه، واطرحوا نصحي ومشورتي عليهم، تبعث رأيهم ولم أتفرد عنهم وأنا أرى جهلهم، وأتصور عاقبة لجاجهم، وأني ضالٌ عن الطريق عادلٌ عن الصواب في اتباعي لهم، لكني لم أستصلح لنفسي الخروج منهم، والتباعد عنهم. وقوله كنت منهم من هذه تفيد تبيين الوفاق وترك الخلاف، وأن الشأنين واحدٌ لا تمايز بينهم ولا تباين. وهم يقولون في النفي أيضاً. لست منك، أي انقطع ما بيننا، فلا خلاط ولا اشتراك. على هذا قول الشاعر:
فإني لست منك ولست مني
فأما قولهم: أنت مني فرسخان، قال شيخنا أبو علي الفارسي ﵀ هذا كلام الذليل مع المستذل، والمعنى: أنت في هدايتي مدى الفرسخين. وإلى غايتهما، وقد خالف هذه الطريقة حصين بن المنذر فقال:
أمرتك أمراً حازماً فعصيتنيفأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فما أنا بالباكي عليك صبابةًوما أنا بالداعي لترجع سالما
أمرتهم أمري بمنعرج اللوىفلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
قوله أمري يجوز أن يريد المأمور به، ويكون الأصل: أمرتهم بأمري، فحذف الجار ووصل الفعل بنفسه. ويجوز أن يكون مصدر أمرت، وجاء به لتأكيد الفعل. وقوله بمنعرج اللوى تحديدٌ وتوقيتٌ، وبيان أن ذلك كان من همه حتى اختار له الموضع الذي كان أوفق عنده، والوقت الذي كان أعود عليهم فيما أمرهم به. واللوى: مسترق الرمل. ومنعرج: منعطف. وقوله فلم يستبينوا الرشد أي لم يتبينوه في الحال حتى جاء الوقت المقدر له. وذكر الغد يكثر فيما يتراخى من عواقب الأمور إذا أحيل عليه البيان والظهور فيه. والمعنى: في المستأنف من الوقت. وهذا زاد عليه ضحى لأنه من النهار أضوأ، فكأن المعنى: لم يبن لهم ما دعوتهم إليه إلا في الوقت الذي لا لبس فيه ولا اعتراض شك. ومثله قول المتلمس:
عصاني فلم يلق الرشاد وإنمايبين عن أمر الغوي عواقبه
وهل أنا إلا من غزية إن غوتغويت وإن ترشد غزية أرشد
يقال رشد يرشد رشداً ورشاداً، ورشد يرشد؛ فلك أن تضم الشين من ترشد وأن تفتحها. وقوله هل أنا هو في مذهب النفي وإن كان استفهاماً ولذلك تبعه إلا، كأنه قال: ما أنا إلا من غزية في حالتي الغي والرشاد، فإن عدلوا عن الصواب عدلت معهم، وإن اقتحموه اقتحمت بهم. وغزية هو رهطه. فإن قيل: إنه كرر معنىً واحداً في هذه الأبيات مرتين، لأن قوله إن غوت غويت قد اشتمل عليه كنت منهم وقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتد. قلت: في الأول اقتص الحال التي دار عليها معهم، وفي الأمر بقيةٌ، وللنصح توجهٌ، وأنه اجتهد في ردهم إلى ما هو أرد عليهم وأنفع لهم، فلما عصوه في ذلك أمسك عنهم جارياً في الطريق الذي يسلكونه وإن علم الخطأ فيه. وقوله وهل أنا إلا من غزية بيانٌ لما دفعوا إليه بعد تبين الرشاد لهم، وابتلوا به من مقاساة سوء العاقبة لسوء اختيارهم، فقال: وما أنا إلا شريكٌ لهم فيما أثمر لهم جهلهم وغوايتهم كما كنت شريكاً لهم لو رشدوا فيما كان يثمر لهم رشادهم. فهو في الأول ذكر اتباعه لهم بعد النصح ناظراً من وراء رأيه ما يدفعون إليه ويمتحنون به، وفي الثاني ذكر انغماسهم معهم فيما أعقب لهم اختيارهم، وأنه شقي بمثل ما شقوا به في عقبى جهلهم أو بأشد منه، وإذا كان كذلك اختلف الحالتان
والاتباعان. ثم أخذ يبين محنته، فقال:
تنادوا فقالوا أرادت الخيل فارساًفقلت أعبد الله ذلكم الردي
فجئت إليه والرماح تنوشهكوقع الصياصي في النسيج الممدد
يعني بالخيل الفرسان. يقول: نادى بعضهم بعضاً: أسقطت الخيل فارساً! فقلت: أعبد الله ذلكم الساقط الهالك، وإنما دعاه إلى هذا القول أمران: أحدهما سوء ظن الشقيق؛ والثاني أنه علم إقدامه في الحرب، وابتذاله النفس وتعرضه للحتف، فدعاه الشفقة والإشفاق إلى قصده لوقايته بنفسه، فلحقه والرماح تتناوله وتقع فيه وقع الصياصي، وهي خشبة الحائك في نسجه الممدود إذا أراد تمييز طاقات السدى بعضها من بعض، وكأنه سميت بذلك تشبيهاً بصيصية الديك وهما مخلبان في ساقه، وبصيصيه الثور، وهو قرنه. وقوله أعبد الله، وقد سماه معبداً أيضاً، وهم يفعلون كثيراً في الأعلام مثل ذلك. ألا ترى حالهم في سليمان، وأنهم يسمونه مرة سليماً ومرة سلاماً وقول الآخر:
صبوت أبا ذيبٍ وأنت كبير
يعني أبا ذؤيب. وقوله: تنوشه من النوش. والظبية تنوش الأراك وتنتاشه، أي تتناوله، وفي القرآن: " وأني لهم التناوش من مكان بعيدٍ ".
وكنت كذات البو ريعت فأقبلتإلى جلدٍ من مسك سقبٍ مقدد
بين ماذا أدرك من أخيه لما أراد وقايته والذب عنه فقال: كنت كناقةٍ لها ولدٌ فأفزعت فيه لما تباعدت عنه في مرعاها، فأقبلت نحوه، فإذا هو بجلدٍ مقطعٍ، وشلوٍ مبدد. كأنه انتهى إلى أخيه، وقد فرغ من قتله ومزق كل ممزق. والبو، أصله جلد فصيلٍ يحشى تبناً لتدر عليه، فاستعاره للولد. وكذلك الجلد هو ما جلد من المسلوخ وألبس غيره لتشمه أم المسلوخ فتدر عليه. والمسك: الجلد، لأنه يمسك ما وراءه من اللحم والعظم. والسقب: الذكر من أولاد الإبل؛ وناقةٌ مسقابٌ، إذا ولدت الذكران كثيرا.
فطاعنت عنه الخيل حتى تبددتوحتى علاني حالك اللون أسود
قتال امرئٍ آسى أخاه بنفسهويعلم أن المرء غير مخلد
يقول: دافعت الخيل - يعني الفرسان - عنه حتى انكشفوا، وإلى أن جرحت فسال الدم علي، وكان ذلك مني دفاع رجلٍ جعل نفسه إسوة أخيه، واختار لها مثل ما سيق إليه، عالماً بأن المرء لا يبقى، بل مآله إلى الفناء، وأن استقتاله ليلحق بأخيه خيرٌ له من أن يبقى بعده فيشقى بالجزع له وفيه. ويقال: هو يأتسي بفلانٍ، أي رضي لنفسه ما رضي ذاك لنفسه. والمواساة والتأسي والائتساء واحد. وقوله: حتى علاني حالك اللون أسود، فيه إقواءٌ، وكثيرٌ من العلماء يهونون الأمر في الإقواء ولا يعدونه عيباً قبيحا. وحكي عن الأخفش أنه قال: ما أنشدتني العرب قصيدةً سلمت من الإقواء طالت أو قصرت. ويروى: " وحتى علاني حالكٌ لون أسود "، والضعف فيه ظاهر. ألا ترى أنه قال حالكٌ وهو الشديد السواد، ثم قال لون أسود. وفي إضافة لون إلى أسود ما لا يرتضى. وأجود من هذا أن يروى: حالك اللون أسودي وهو يريد أسوديٌ، كما قيل في الأحمر الأحمري، وفي الدوار دواريٌ، ثم خففت ياء النسبة بحذف أحدهما، وهو الأول، وجعل الثاني صلة.
فإن يك عبد الله خلى مكانهفما كان وقافاً ولا طائش اليد
قوله خلى مكانه أي مضى لسبيله. والوقاف: الجبان المتوقف فيما يعن له عجزاً وضعف قلب. ويقال: وقافةٌ أيضاً، والهاء للمبالغة، والطائش: الخفيف، ومنه الطياش. ويقال: هو طائش اليد، إذا عدل سهمه عن الهدف ولم يقصد قصده؛ ثم يقال: هو طائش اليد، إذا كان فيما يتولاه من الأعمال كذلك. يقول: إن كان عبد الله توفي وخلى ما كان يسده بنفسه وغنائه من أمر العشيرة وسياستهم، فلقد كان مقداماً صائب الرأي، حليماً فيما يأتيه، لا يطيش زهواً، ولا يؤثر على الصواب شيئاً.
كميش الإزار خارجٌ نصف ساقهبعيدٌ من الآفات طلاع أنجد
الكمش والكميش: الخفيف السريع الحركة. يقال: انكمش في حاجتك، أي تخفف وأسرع. وأضاف الكميش إلى الإزار على المجاز كما يقال: عفيف الحجزة،
ونقي الجيب. وقوله خارجٌ نصف ساقه يصفه بالتشمر. وقد قيل: هو عاري الظنوب، في هذا المعنى. قال:
عاري الظنابيب ممتد نواشره
وقد يراد بهذا قلة اللحم والهزال. وقوله بعيدٌ من الآفات يريد أنه لا داء به ولا غائلة، فهو سليم الأعضاء متين القوى. ومعنى طلاع أنجد أنه يتصعد في درج السمو. ويقال طلاع أنجدةٍ أيضاً، قال:
طلاع أنجدةٍ في كشحه هضم
فأنجدةٌ جمع نجادٍ، ونجادٌ جمع نجدٍ. فأما أنجدٌ، فالأصل أن يكون لأدنى العدد وقد استعير للكثير، لأنه كفلسٍ وأفلس. وهم كما يضعون بناء القليل للكثير والكثير للقليل في أصل الوضع، يستعيرون بناء القليل للكثير وإن كان بناء الكثير قد استعمل أيضاً. يكشف هذا أيضاً أنهم يقولون: رسنٌ وأرسانٌ، فوضعوه للكثير وإن كان في الأصل للقليل؛ وقالوا درهمٌ ودراهم فوضعوه للقليل. وقال الله تعالى: " وهم في الغرفات آمنون " يريد أهل الجنة. فوضع الغرفات موضع الغرف على الاستعارة.
قليل التشكي للمصيبات حافظٌمن اليوم أعقاب الأحاديث في غد
يريد بقوله قليل نفى أنواع التشكي كلها عنه. على هذا قوله تعالى: " فقليلاً ما يؤمنون "، وقولهم: قل رجلٌ يقول ذاك، وأقل رجلٍ يقول ذاك. والمعنى: أنه لا يتألم للنوائب تنزل بساحته، والمصائب تتجدد عليه في ذويه وعشيرته، وأنه يحفظ من يومه ما يتعقب أفعاله من أحاديث الناس في غده، فهو نقي الأفعال من العيوب، طيب الأخبار في أفواه الناس، صبورٌ على العزاء.
تراه خميص البطن والزاد حاضرٌعتيدٌ ويغدو في القميص المقدد
مثل المصراع الأول قول الآخر:
يابس الجنبين من غير بوسٍ
يصفه بقلة الطعم مع اتساع الحال، وطاعة الزاد، فيقول: ترى بطنه منطوياً والزاد معدٌ، لأنه يؤثر به غيره على نفسه، ولأنه لا نهمة ثم ولا حرص على عمارة البدن، ولا على استسراء الثياب، فهو يغدو في القميص الممزق، إذ كان يبتذل بنفسه فيما كان يكسبه فخراً وعلواً. ويقال: عتد فهو عتيدٌ عتاداً، وأعتدته أنا. ومنه سمي العتيدة التي يكون فيها الطيب، والعتد بفتح التاء وكسرها: الفرس المعد للمهمات من الطلب والهرب وغيرهما، الذكر والأنثى فيه سواء.
وإن مسه لإقواء والجهد زادهسماحاً وإتلافاً لما كان في اليد
يقول: وإن انفق عليه إعسار ٌونفاد زاد، وجهدٌ من نكد الزمان وإعوازٌٍ زاده سخاءً وإتلافاً للمال، جرياً على عاداته التي ألفها، لا يهضمه ضرٌ، ولا يلفته فقر. ويقال: أقوى الرجل، إذا نفد زاده. ويقال: زاد الشيء ضد نقص، وزدته أنا فازداد. وفي طريقته قول الآخر:
قد جعل الله فيك قلباًيأبى على الشغل أن يضيقا
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسهفلما علاه قال للباطل ابعد
يجوز أن يكون صبا الأول من الصبا واللهو، وصبا الثاني من الصباء بمعنى الفتاء، فيكون المعنى: تعاطى اللهو والصبا ما دام صبياً، فلما اكتهل وظهر في رأسه الشيب فاشتعل نحى الباطل عن نفسه زهداً فيه، ورجوعاً إلى الحق، ورغبةً فيما يكسبه الأحدوثة الجميلة من أبواب الصلاح والجد. ويجوز أن يكون المعنى: تعاطى الصبا ما تعاطاه إلى أن علاه المشيب، فيسقط التجنيس من البيت، وهو يحسن به. وما صبا في موضع الظرف على الوجهين جميعاً، أي مدة الأمرين. وحتى للغاية. وقوله ابعد من بعد يبعد، إذا هلك. ولو أراد البعد لقال ابعد، بضم العين. وجرى أبو نواسٍ في هذه الطريقة لما قال:
قد عذب الحب هذا القلب ما صلحافلا تعدن ذنباً أن يقال صحا
وطيب نفسي أنني لم أقل لهكذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
أنني في موضع الفاعل لطيب، وليس القصد إلى أنه لم يقل له كذبت قط، وإنما المراد أني لم أجفه بأدون ألفاظ الجفاء. على ذلك قول الله تعالى في الوصاة بالوالدين وتنزيههما عن قبائح القول والفعل: " ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما " فأف الأصل في صيانتهما عن الخنا وفحش القول، والنهر الأصل في ترك إيذائهما بالفعل والزحر. فيقول: سلاني طاعتي له واحتشامي منه مدة حياته، وإعظامي إياه في القول عند مخاطبته، والفعل وقت مجالسته ولدى معاملته. وأشار إلى القول بقوله لم أقل له كذبت وإلى الفعل بقوله ولم أبخل بما ملكت يدي. والمعنى لم أبخل بملك يدي عليه، فحذف عليه كما يحذف المفعول إذا دل عليه الكلام.
وقال أيضاً:
تقول ألا تبكي أخاك رقد أرىمكان البكا لكن بنيت على الصبر
فقلت أعبد الله أبكي أم الذيله الجدث الأعلى قتيل أبي بكر
يقول: اجتمعت علي المصائب والرزايا فاقتسمتني، فإذا دعيت إلى البكاء على أخي، أرى البكاء يحق له لفاقتي إلى حياته، وتكامل فضله في نفسه، لكني وجدت صبوراً إذ كانت عليه بنيتي، وإذ صار ديدني ودأبي وقوله مكان البكا بيان استحقاق أخيه البكاء عليه. وقد قصر البكاء، وللشاعر أن يقصر الممدود باتفاقٍ من المذهبين. وفي طريقته قول الآخر:
ولو شيت أن أبكي بكاً لبكيتهعليك ولكن ساحة الصبر أوسع
وقوله فقلت أعبد الله أبكي، كشف به عن توالي الرزايا، وأن جلده متوزعٌ فيها، فكأنه قال: إلى من أصرف البكا، ومن أخص به أعبد الله أم المدفون في القبر الأعلى قتيل أبي بكر بن كلابٍ. وقوله الأعلى يريد الأشرف، ويجوز أن يريد الأعلى في مكانه وموضعه. والجدث: القبر، وكذلك الجدف، وجمعه الأجداث.
وفي القرآن: " فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ". وانتصب عبد الله بأبكي، وقتيل على البدل من الذي.
وعبد يغوث تحجل الطير حولهوعز المصاب جثو قبرٍ على قبر
نبه بقوله تحجل الطير حوله على أنه ترك بالعراء، وعوافي الطير بأكله، فلم يدفن، وإنما قال تحجل إشارةً إلى امتلاء حواصلها وثقلها، فهي تحجل حوله ولا تطير. والحجل: مشي المقيد، وتوثب الإنسان على إحدى رجليه وقد رفع الأخرى. ونزوان الغراب حجله. وهذا الكلام تلهفٌ وتحزن. وقوله وعبد يغوث وإن استأنف الكلام به فهو في المعنى معطوف على ما قبله، كأنه قال: أيهم أبكي وقد كثروا. وقوله وعز المصاب يروى المصاب بالرفع ويراد بالمصاب المصيبة، ويرتفع جنو على أنه بدلٌ منه، ويكون مفعول عز محذوفاً، كأنه قال: وعز الشاعر المصيبة جثو قبرٍ على قبر. وإذا رويت وعز المصاب بالنصب، يكون المصاب الشاعر، وجثو قبرٍ هو الفاعل، والمعنى غلبه تولي المصائب عليه. وقوله جثو قبر على قبر أي حصول الواحد في إثر الواحد. ويقال: جثا لركبته، وفي القرآن: " حول جهنم جثياً "، أي لازمين لركبهم لا يستطيعون القيام. واستعمال الجثو مجاز هنا؛ لأن القبر لا يجثو. والجثوة من التراب وغيره: ما جمع، وبه سمي القبر جثوة. وروى بعضهم: حثو قبرٍ على قبر فجعل الحثو للقبر، وإنما يحئى عليه، كما قال:
وما من قلىً يحئى عليه من الترب
وروى بعضهم وعزي والمعنى سلى المصاب، أي نفسه، من البكاء والتحزن، توالي الأرزاء عليه؛ فإنه تمرن بها، فصار يصبر عليها. ويكون في هذا ملماً بمعنى قول الآخر:
فقد جعلت نفسي على النأي تنطويوعيني على فقد الصديق تنام
أبى القتل إلا آل صمة إنهمأبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
يقول: لم يرض القتل إلا آل صمة لأنهم الكرام، والدهر يأبى في الاختيار أن يكون حظه من غيرهم، كما أن آل صمة لم يرضوا من أحداث الزمان فيهم إلا بالقتل، إذ كان ذلك عندهم أحسن الميتات وأكرمها وقوله أبى القتل إلا آل صمة يشبهه قول الآخر:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفيعقيلة مال الفاحش المتسدد
وقوله إنهم أبوا غيره يشبهه قول الآخر:
وما مات منا ميتٌ حتف أنفه
وقوله والقدر يجري إلى القدر يريد كما قدروا للقتل قدر القتل لهم، لأنهم بما اجتمع فيهم من الخصال الشريفة التي يختارها الدهر لنوائبه، كأنهم خلقوا للدهر ولتأثيره الذي هو القتل، لأن القتل لما كان أشرف أسباب الحتف عندهم فأحبوه ومالوا إليه، صاروا لذلك كأن القتل خلق لهم.
فإما ترينا لا تزال دماؤنالدى واترٍ يسعى بها آخر الدهر
فإنا للحم السيف غير نكيرةٍونلحمه حيناً وليس بذي نكر
جواب إما أول البيت الذي يليه، وهو فإنا. والفاء من فإنا رابطةٌ ما بعدها بما قبلها، ولا تزال دماؤنا إلى آخر البيت في موضع المفعول لترينا، ولدى واترٍ لفظه واحدٌ والمراد به الكثرة. وآخر الدهر: ظرفٌ، والعامل فيه لا تزال دماؤنا لأن المعنى إما ترينا لا تزال دماؤنا أبد الدهر لدى واترين يسعون بها. ولا يجوز أن يكون العامل فيه يسعى بها، لأن فيه إيهاماً أنهم لا ينالون الوتر من الواترين سريعاً، ولكنهم يسعون بدمائهم أبد الدهر. وهذا الكلام كالاعتذار من كثرة القتل فيهم، فيقول: إن اتصل القتل فينا حتى نرى دماءنا أبد الدهر لدى واترين، فإنا لحبنا للقتل طعم السيوف حقاً غير ذي إنكارٍ ولا امتراءٍ، وكما تتطعم منا فإنا نطعمها أيضاً من غيرنا، فنجعل أعداءنا لحمةً لها غير ذي شكٍ ولا مريةٍ. وقوله غير نكيرةٍ انتصب على المصدر
وأكثر ما يستعمل نكيرٌ بغير الهاء فالنكر والنكير، كالعذر والعذير والعذرى. ومثل هذا المصدر يؤكد به الكلام الذي قبله، ويجري مجرى حقاً وما أشبهه. ويجوز أن يكون الهاء من النكيرة للمبالغة. وقوله ونلحمه حيناً فالحين اسمٌ للزمان المتصل، فكأنه قال: ونلحمه فيما يتصل من الأوقات. وليس يريد حيناً من الأحيان. وإن روي غير نكيره على أن يكون الضمير منه يعود إلى السيف كأنه قال: غير منكورٍ له، فيجعله حالاً للحم، فليس بجيد؛ لأن القصد إلى تأكيد الكلام بهذا المصدر؛ فكما أن في آخر البيت قوله وليس بذي نكر تأكيدٌ لما قبله، كذلك يجب أن يكون غير نكيرةٍ هكذا، ليتقابل الصدر والعجز على حدٍ واحدٍ من التأكيد وحصول هاء التأنيث في نكيرةٍ لا يجب أن ينكر، كما لا ينكر في قولهم نكرةٌ ومعرفةٌ، وكما لا ينكر الألف في آخر ذكرى وعذرى.
يغار علينا واترين فيشتفىبنا إن أصبنا أو نغير على وتر
نبه بقوله فيشتفى بنا أنهم الثأر المنيم، فإذا أصيبت دماؤهم كان فيها للأعداء الشفاء. وانتصب على الحال من الضمير في علينا. وقوله أو نغير على وتر، يريد على وترٍ لنا عندهم، فكأنه قال: أو نغير على واترين لنا. وقد سلك الأعشى هذه الطريقة، فلم يوف القسمة حقها كما فعل هذا؛ لأنه قال:
فأظعنت وترك من دارهمووترك من قبلهم لم يقم
والمعنى أزعجت الوتر الذي كان لك عندهم من دارهم، على عادتك مع سائر الناس من قبل في إدراك الثأر سريعاً؛ لأن قوله ووترك من قبلهم لم يقم إشارةٌ إلى أنه لا يمهل ولا يهمل فوتره لا يتلوم عند الأعداء.
قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننافما ينقضي إلا ونحن على شطر
أشار بقوله ذاك إلى ما تقدم ذكره من تردده في مجاذبة الأعداء طالبين مرةً، ومطلوبين أخرى. وانتصب شطرين على المصدر، كأنه قال: قسمنا الدهر قسمين. ويجوز أن يكون حالاً على معنى قسمناه مختلفاً؛ فوقع الاسم موقع الصفة لما تضمن معناه، كما تقول: طرحت متاعي بعضه فوق بعضٍ، كأنك قلت متفرقاً. والمراد: جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا مقسومةً قسمين، فتراها لا ينقضي شيءٌ منها إلا ونحن فيه على أحد الحدين. إما أن تكون لنا الكرة عليهم فننال منهم. وإما أن تكون لهم الجولة علينا فينال منا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع