من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال تأبط شراً (٢)
وذكر أنه لخلفٍ الأحمر، وهو الصحيح.
إن بالشعب الذي دون سلعٍلقتيلاً دمه ما يطل
يجوز أن يكون ذكر الشعب الموصوف لأن قبر ذلك القتيل كان فيه، ويجوز أن يكون ذكره لأنه قتل عنده، وهو في اللغة ما انفرج بين جبلين ونحوهما. والسلع بفتح السين وكسرها: شقٌ في الجبل، ومنه سلعت رأسه، أي شققته. وقولهم هادٍ مسلعٌ، أي يشق أجواز الفاة. وقوله دمه ما يطل من صفة القتيل، والمعنى أني في طلب ثأره، فدمه لا يذهب هدراً. والطل: مطل الدم والدية وإبطالهما. وقال:
أزهير ليس أبوك بالمطلول
خلف العبء علي وولىأنا بالعبء له مستقل
أراد بالعبء طلب دمه والنيل من عدوه. وقوله أنا بالعبء له مستقل تحقيقٌ للوعد بإدراك الثأر، وإظهار اقتدارٍ على النكاية في الأعداء. وقوله له أي من أجل المرثي، وإنما سمي الثقل عبئاً لأنه من عبأت المتاع أعبؤه عبئاً، ثم يسمى المتاع عبئاً، فهو كالنقض والنقض. وكثر استعماله حتى تسمحوا به فيما يدخل من الثقل على القلب ولا يحمل على الظهر.
ووراء الثأر مني ابن أختٍمصعٌ عقدته ما تحل
أعطى فيما اجتمع من الوصف الترتيب حقه، وذلك لأنه اجتمع مفردٌ وجملةٌ في صفة ابن أختٍ فقدم المفرد على الجملة، وهذا وجه الكلام وحقه؛ لأن الجملة إنما
وصف بها لوقوعها موقع المفرد، فإذا صاحبها مفرد كان الأولى تقديمه، وإذا كان كذلك فعقدته ارتفع بالابتداء، وما تحل خبره. والمصع: الشديد المقاتلة الثابت فيها. ويعني بوراء ها هنا الخلف، وإن كان يصلح للقدام. وفي هذا الكلام ضربٌ من الوعيد، كأنه يجري مجرى قول القائل: الله من ورائك. ويريد: وفي طلب الثأر من جهتي ابن أختٍ هذه صفته، ويعني به نفسه. ويجري هذا المجرى قول الشنفري:
هممت وهمت وابتدرنا وأسدلتوشمر مني فارطٌ متمهل
والفارط المتمهل هو الشنفري. وقوله عقدته ما تحل يجوز أن يريد ما يعقده برأيه أو يحكمه لا ينقض. ويجوز أن يريد به قوته وجلادته، وتكون العقدة راجعةً إلى استحكام خلقه وصبره في الشدائد.
مطرقٌ يرشح موتاًكما أطرق أفعى ينفث السم صل
شبه نفسه في إطراقه وسكونه، منتظراً لفرصةٍ ينتهزها في إدراك ثأره بالحية، وأنه في إمساكه يرشح بالموت لعدوه كما أن الحية إذا أطرق نفث بالسم. والرشح كالعرق، والنفث، كالقذف. والصل من صفة الأفعى، ويوصف به الداهية وكل خبيث، يقال: هو صل إصلالٍ، كما يقال داهية دواهٍ. وأسماء الحيات وصفاتها تستعار في الدواهي كثيرا. والأفعى مؤنثة، وذكرها الأفعوان. وقال الخليل: الأفعى حيةٌ قصيرةٌ عريضة الرأس. وبنون فيقال أفعىً، وبعض طيئٍ يقلب ألفه واواً فيقول أفعو، وبعض قيسٍ يقلبها ياء فيقول أفعى. ومنه تفعى فلانٌ، إذا ساء خلقه. وقال سيبويه: صرفه أكثر وأجود. ويصلح للذكر والأنثى. والأفعوان الذكر لا غير.
خبرٌ ما نابنا مصمئلجل حتى دق فيه الأجل
بزني الدهر وكان غشوماًبأبي جاره ما يذل
يعني بالخبر نعي المتوفي؛ وقد استعظمه وجعله داهيةً منكرةً حتى علا شأنه وجل عن أن يضبط بوصفٍ، أو يحد بنعت، فلذلك قال جل حتى دق فيه الأجل. ويقال داهيةٌ مصمئلةٌ، إذا اشتدت. والأجل تأنيثه الجلى، والألف واللام فيه بدلٌ من
الإضافة النائبة عن من في قولهم: هو أجل من كذا، ومعناه الجليل. وقوله بزني الدهر أي غلبني واستلبني. وقوله بأبي الباء دخلت للتأكيد زائدةً، كأنه قال: بزني الدهر أبياً. ومثله قول الآخر:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ويجوز أن يكون عدى بزني بالباء لما كان معناه فجعني، ويكون من باب ما عدي بالمعنى دون اللفظ، كقوله:
إذا تغنى الحمام الوزق هيجنيولو تعزيت عنها أم عمار
وقوله جاره ما يذل من صفة الأبي. والأبي المتصعب المتمنع. والغشم: الظلم والقهر. وقوله وكان غشوماً يعني به الدهر، وهو اعتراضٌ بين الفاعل والمفعول، ومثله يتأكد به الكلام. وقوله يذل يروى بفتح الياء، ويذل على ما لم يسم فاعله، والمعنى ظاهر، وصفه بأنه كان عزيز الجار محمي الفناء، وأنه كان له عدةً على الدهر، وسلاحاً معه فاستلبه منه.
شامسٌ في القر حتى إذا ماذكت الشعرى فبردٌ وظل
يابس الجنبين من غير بوسٍوندي الكفين شهمٌ مدل
وصفه بأنه كان ينتفع به في كل حالٍ وزمان، وأنه كان غياثاً للناس في حالتي السراء والضراء، فكان الشمس عند البرد، والظل عند الحر. يقال: ذكت النار تذكو، وأذكيتها، وكذلك أذكيت الحرب. ونوء الشعرى بشدة الحر يجيء. ويقال للشمس ذكاء من ذلك. وقد جاء مثل هذا في النسيب، يقول ابن الرقيات:
سخنةٌ في الشتاء باردة الصيف هلالٌ في الليلة الظلماء
والمعنى أنها للضجيع في الصيف هكذا، وفي الشتاء هكذا. وقد أتى الأعشى بهذين المعنيين في بيتين، وابن الرقيات أتى بهما مع ثالثٍ لهما في بيت واحد. وبيت
الأعشى:
وتبرد برد رداء العروس بالصيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع أن ينبح الكلب إلا هريرا
وأما قوله يابس الجنبين من غير بوسٍ يريد أنه يؤثر بالزاد غيره على نفسه. وعادتهم التمدح بالهزال، فهو كقول الآخر:
تراه خميص البطن والزاد حاضرٌعتيدٌ ويغدو في القميص المقدد
وقوله ندي الكفين، أراد أنه سخيٌ. ويقال: هو يتندى على أصحابه، أي يتسخى. والشهم: الذكي الحديد، ومنه قيل للقنفذ الشيهم. والمدل هو الواثق بنفسه وبآلاته وعدته.
ظاعنٌ بالحزم حتى إذا ماحل حل الحزم حيث يحل
غيث مزنٍ غامرٌ حين يجديوإذا يسطو فليثٌ أبل
وصفه بأنه مستعملٌ للحزم وآخذٌ به، ظاعناً كان أو مقيما. وأشاد بقوله ظاعنٌ إلى غزواته، وأسفاره وغارته؛ وبقوله حل الحزم حيث يحل إلى شدة حذره في إقامته، ودوام اتقائه من الأعداء حتى لا ينساهم ولا يغفل عنهم. وقوله غيث مزنٍ غامرٌ حين يجدي وصفه بأن منافعه عامةٌ للخلق. والمزنة: السحابة البيضاء. والغامر: الشامل جدواه وعطيته. وقوله وإذا يسطو فليثٌ أبل، الأبل: الفاجر المصمم الماضي على وجهه، لا يبالي ما لقي. والمراد أنه في الإحسان بالغٌ أقصى الغايات، وعند السطوة على الأعداء كالليث الكثير الإفساد، الشديد النكاية. والسطو: البسط على الإنسان تقهره من فوق. ويقال: سطا عليه وسطا به. وقال الخليل: سمي الفرس ساطياً لأنه يسطوا على سائر الخيل، فيقوم على رجليه ويرفع يديه.
مسبلٌ في الحي أحوى رفلٌوإذا يغزو فسمعٌ أزل
وله طعمان: أريٌ وشريٌوكلا الطعمين قد ذاق كل
مفعول مسبلٌ محذوفٌ. وصفه بأنه في الحي - والحال سلامةٌ - يسبل إزاره خيلاء وكبراً، ويتبختر ذاهباً في الترفة إلى أرفع الدرجة، وأنه ذا غزا فهو كالسمع، وهو الولد بين الذئب الضبع، وهو أخبث السباع وأعداها. والزلل: خفة العجز، وذلك خلقته.
وقوله وله طعمان أريٌ وشريٌ يريد به أنه للموالين كالأري - ويراد به العسل وإن كان في الأصل عمل النحل - وللمعادين كالشري، وهو الحنظل. ثم قال: وكلا الطعمين قد ذاق كل، أي كل واحدٍ من الطعمين قد ذاقه كل واحدٍ من قبيلي الأعداء والأولياء. ومفعول ذاق محذوفٌ إذا جعلت كلا مبتدأ، كأنه قال: قد ذاقه كلٌ. والأجود أن تجعل كلا مفعول ذاق ولا تجعله مبتدأ. ومثله: زيداً ضربت ألا ترى أنه يختار على: زيدٌ ضربت. وكلاً اسمٌ موحدٌ يؤكد به المثنى، كما أن كلاً اسمٌ موحدٌ يؤكد به الجمع. وهو مقصورٌ كمعىً، وألفه منقلبةٌ عن واو، وهذا مذهب أصحابنا البصريين، والكوفيين عندهم أنه اسمٌ مثنى.
يركب الهول وحيداً ولا يصحبه إلا اليماني الأفل
هذا كقول الآخر:
يظل بموماةٍ ويمسي بغيرهاجحيشاً ويعروري ظهور المهالك
والمعنى: أنه لا يتكثر بالأصحاب إذا هم باقتحام أمرٍ عظيم، وهولٍ شديدٍ، بل يتفرد فيه مستصحباً سيفه الافل، وهو الذي قد كثر فلوله بكثرة الاستعمال. وانتصب وحيداً على الحال. وقوله ولا يصحبه انعطف عليه، وهو صفةٌ للوحيد وتأكيدٌ للوحدة.
وفتوٍ هجروا ثم أسرواليلهم حتى إذا انجاب حلوا
كل ماضٍ قد تردى بماضٍكسنا البرق إذا ما يسل
فتوٌ: جمع فتىً، ولام فتىً ياء بدلالة قولهم فتيانٌ، لكنه بناه على مصدره وهو الفتوة، وهذا المصدر إنما جاء على هذا عوضاً من حمل بنات الواو على الياء كثير،
فكأنهم أرادوا أن يحملوا ما هو من الياء على الواو أيضاً، وهو شاذ. ومعنى هجروا: ساروا في الهاجرة. ويقال: جبت الظلام واجتبته فانجاب. وجبت المفازة: قطعتها. يريد أنهم وصلوا السير بالسرى، تلما انكشف الظلام نزلوا. وقد اشتمل هذا الكلام على جواب رب؛ لأن قوله حلوا - وهو جواب إذا إنجاب - صار جواباً لرب أيضاً. ويقال: سرى وأسرى بمعنىً واحد. وقوله كل ماضٍ قد تردى بماضٍ يريد أن كل واحدٍ من هؤلاء الفتيان نافذٌ في الأعمال والغزوات، وقد تقلد سيفاً نافذاً في الضريبات، وإذا انتزع من غمده لمع التماع البرق. ويقال: ارتدى بسيفه وتردى واعتطف به، ويسمى السيف الرداء والعطاف.
فاحتسوا أنفاس نومٍ فلماثملوا رعتهم فاشمعلوا
قوله رعتهم جواب لما، ومعنى اشمعلوا جدوا في المضي. ويقال رجلٌ مشمعلٌ، أي جادٌ خفيف. والمعنى أنهم ساروا يومهم وليلتهم، وكلٌ يرجع من نفسه وسلاحه إلى ما يرتضى ويعتد به، ثم نزلوا وهوموا، وناموا نومةً خفيفةً مثل حسو الطير ماء الثمد، تمشت في يقظتهم بقدر بيبها في عروقهم، ومزاولتها لخفوتهم وسكونهم، فلما صاروا منها كالسكارى أنبهتهم وبعثتهم للارتحال، فخفوا وأطاعوا. ودل بهذا الكلام على أن المرثي كان رئيسهم ومدبرهم، على زيادة غنائه وذكائه، وشهامته ومضائه، وأنه لما بعثهم جدوا وخفوا غير متوقفين في أمره، ولا معتلين على رأيه.
فلئن فلت هذيلٌ شباهلبما كان هذيلاً يفل
وبما أبركهم في مناخٍجعجعٍ ينقب فيه الأظل
يقول: إن كان هذيلٌ قد تمكنت منه فكسرت حده وأتعست جده، فهو بما كان يؤثر من قبل في هذيل فيطأ حريمها، ويكثر قتيلها. والعرب تقول: هذا بذاك، أي هو عوضٌ منه. واللام من قوله لئن موطئة لقسمٍ مضمرٍ، والتي في قوله لبما جواب ذلك القسم. والشباة حد الشيء. ويقال: أشبي الرجل، إذا أتى بأولادٍ نجباء يصير له بهم حدٌ حديدٌ كشبا الأسنة. ويقال أيضاً: أشبيت الرجل، أي
وجدت له شباة. حكاه أبو عمرو. ويجوز أن يكون شبوة وهو اسم العقرب، من الشبا، لإبرتها.
وقوله وبما أبركهم معطوفٌ على لبما كان. والجعجع: مناخ سوءٍ، وهو الأرض الغليظة. والأظل: باطن خف البعير. ومعنى ينقب أي يحفى. والمراد: وبما كان ينال منهم ويحملهم فيه على المراكب الصعبة، وينزلهم له بالمنازل الحزنة، التي تؤثر في أنفسهم وأموالهم. وهم يجعلون مثل هذا الكلام كنايةً عن التأثير القبيح. ويشبهه قول الآخر:
من يذق الحرب يجد طعمهامراً وتبركه بجعجاع
وقول الآخر:
لقد حملت قيس بن عيلان حربناعلى يابس السيساء محدودب الظهر
وقول الآخر:
وحملناهم على حزن ثهلان شلالاً ودمي الأنساء
صليت مني هذيلٌ بخرقٍلا يمل الشر حتى يملوا
ينهل الصعدة حتى إذا مانهلت كان لها منه عل
يقول: ابتليت هذيلٌ من جهتي برجلٍ كريمٍ يتخرق في العرف مع الأولياء، وبالنكر مع الأعداء، لا يفتر عن النكاية فيهم، وعن الإغارة عليهم ما دام لهم ثباتٌ وكان للجزاء عليهم محملٌ. وقوله حتى يملوا يريد حتى يملوه، وليس المراد قعودهم عن مكافأته، ومتاركتهم لهيجه، وإنما يريد أنه لا يكف عن الإيقاع بهم، ولا يمسك عن التأثير فيهم، حتى يبشموا الشر وحتى لا تبقى فيهم قوة ولا نهوضٌ فيراصدوا أو يناكدوا.
وقوله ينهل الصعدة يريد الإبانة عن الحال التي أشار إليها من دوام الحرب، وبسط القتل، فيقول: يروي الرمح من دمائهم بالسقية الأولى، فإذا ما رويت لم يرضه
ذلك حتى يعقبه بمثله من السقية الثانية. والمعنى اتصال الوقعات، وامتداد البلاء منه في صب الغارات. والصعدة: القناة تنبت مستويةً، وجمعها صعداتٌ بفتح العين، لأنه اسم. ثم قيل في المرأة المستوية القامة، والأتان الطويلة: صعدةٌ، وهي وصفٌ لهما، ويجمع حينئذٍ على صعداتٍ بسكون العين، لكونها صفةً.
وقوله صليت مني هذيلٌ بخرق، مثل قوله من قبل: ووراء الثأر مني ابن أختٍ في أن الخرق هو هو لا غيره. ويقال صليت بكذا أي ابتليت به ومنيت، وأصله من صلاء النار، يقال صليت أصلى صلاءً، واصلطليت أصطلي اصطلاء.
تضحك الضبع لقتلي هذيلٍوترى الذئب لها يستهل
وعتاق الطير تهفو بطاناًتتخطاهم فما تستقل
استعار الضحك للضبع، والاستهلال للذئب. وأصل التهلل والاستهلال في الفرح والصياح، والمراد رغد العيش لهما، واتصال طعمهما باتصال قتله في هذيل. وليس قول من قال معنى تضحك: تحيض، بشيء. وقوله وعتاق الطير تهفو بطاناً مثل قول الآخر فيما تقدم:
وعبد يغوث تحجل الطير حوله
ويعنى بالعتاق آكلة اللحمان وعافية الجيف منها. وقوله تهفو بطاناً أي إنها قد زورت، وامتلأت حواصلها فثقلت، فإذا طارت تخطنهم في الطيران فلا ترتفع في الجو، بل تسف لثقلها. وبطانٌ: جمع بطينٍ. وتهفو: تطير؛ يقال: هفت الصوفة في الهواء، أي ارتفعت. قال الخليل: ويقال لرفارف الفسطاط إذا تحركت: تهفو بها الريح. ثم توسع فيه، فيقال: هفا الظليم، وهفا قلب فلانٍ في إثر كذا.
حلت الخمر وكانت حراماًوبلأيٍ ما ألمت تحل
فاسقنيها يا سواد بن عمروٍإن جسمي بعد خالي لخل
هذا على عادتهم في تحريم الخمر وما يجري مجراها في ولوع النفس به والميل إليه إذا قتل لهم قتيلٌ، حتى يدركوا ثأره، أو حزبهم أمرٌ عظيم يحتاجون فيه إلى مناهضةٍ ومزاولة. وربما كانوا يحرمون على أنفسهم تنظيف البدن والأخذ من الشعر وما شاكله، وذلك على حسب ميل الطباع وإيثار فطم النفس عن الشيء الذي لا مترك له عندها. والقصد في جميعه حبس النفس عن المطلوب وتذكيرها بالمفقود، لئلا تتناساه أو تتشاغل عنه. فيقول: أدركت الثأر فحلت الخمر بعد أن كانت محرمةً بالنذر علي، وبجهدٍ ألمت حلالاً، إشارةٌ منه إلى ما قاساه في طلب دمه. ومعنى بلأيٍ: بعد جهد وبجهد. على ذلك قوله:
فلأياً بلأيٍ ما حملنا غلامنا
وفي هذه الطريقة لامرئ القيس:
حلت لي الخمر وكنت امرأًعن شربها في شغلٍ شاغل
وقول الآخر:
فيا ليل إن الغسل ما دمت أيماًعلي حرامٌ لا يمسني الغسل
وقوله ما ألمت يجوز أن يكون ما صلةً، ويجوز أن مع الفعل بعده في تقدير المصدر. يريد: وبلأيٍ ألمت حلالاً. والإلمام أصله في الزيارة الخفيفة، وتوسع فيه فأجرى مجرى حصلت عندي. وقوله:
فاسقنيها يا سواد بن عمروٍإن جسمي بعد خالي لخل
أظهر التشفي بما ناله من الأعداء حتى دعا من خاطبه إلى ما كان يتشوفه من سقيه له، كما أظهر التوجع لفقده من أصيب به بقوله إن جسمي بعد خالي لخل. والخل: المهزول. وقوله يا سواد بن عمروٍ جعل سواد - وقد رخمه عن سوادة - بمنزلة ما جاء تاماً ولم يحذف منه شيء فجعل سواد وابن بمنزلة شيءٍ واحد، وبناه على الفتح. فالفتحة في ابن للإعراب، والفتحة في سواد للبناء. ولك أن ترويه: يا
سواد بن عمروٍ والضمة فيه ضمة المنادي المفرد، فيكون كقولك: يا زيد بن عمرو ويا زيد بن عمروٍ، فاعلمه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع