تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال رجلٌ من خثعم

نهل الزمان وعل غير مصردمن آل عتابٍ وآل الأسود
من كل فياض اليدين إذا غدتنكباء تلوي بالكنيف الموصد

النهل: الشرب الأول. والعلل: الشرب الثاني. والتصريد: تقليل الشرب؛ يقال إناءٌ مصردٌ، إذا كان ما يحويه دون الري، ويقال صرد عطاءه إذا نزره. وقصد الشاعر إلى بيان تأثير الزمان في الذين ذكرهم حالاً بعد حالٍ، ووقتاً بعد وقتٍ، وأنه استوفى منهم ما أراد دفعةً بعد أخرى، وثانيةً بعد أولى، غير مقللٍ ولا مطفف.

وقوله من كل فياض اليدين بدلٌ من قوله من آل عتابٍ، وقد أعاد العامل فيه، وهذا يكثر في المجرور. على هذا قول الله تعالى: " قال الملأ الذين استكبروا للذين استضعفوا لمن آمن منهم " ألا ترى أنه أعاد اللام كما أعاد هذا الشاعر من. وهذا التكرير تأكيدٌ للإبدال، وتنبيهٌ على أن الثاني من الأول. والفياض: الكثير السيلان، وهو بناء المبالغة. والنكباء: ريحٌ تنكبت عن مهاب الرياح الأربع. وإذا كثرت النكباوات واشتد هبوبها شمل القحط: ويقال: إنه لمنكابٌ عن الحق، أي كثير العدول عنه، والأنكب البعير كأنه يمشي في شق، ومعنى تلوي: تذهب به. والكنيف: الحظيرة من الشجر؛ والموصد: الذي جعل له إصادٌ إحكاماً له، والإصاد: عتبة الباب، والجميع الأصد. وفسر قوله ﷿: " إنها عليهم مؤصدةٌ " أي مطبقةٌ. ويهمز ولا يهمز. وقيل: الوصيد الفناء. والمعنى أن الزمان ألح عليهم، وتناول منهم الأفضل فالأفضل تناولاً لا تقليل فيه ولا تعذير، فذهب منهم بكل رجلٍ سخيٍ واسع المعروف إذا اشتد الزمان وأسنت الناس. وقول الجعدي:

سألتني عن أناسٍ هلكواشرب الدهر عليهم وأكل
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

ليس مما قاله في شيء، وإنما يريد مر عليهم دهرٌ مديد وزمانٌ طويل، فشرب الناس بعدهم وأكلوا ونسوا أولئك. وهذا مثل.

فاليوم أضحوا للمنون وسيقةًمن رائحٍ عجلٍ وآخر مغتد
خلت الديار فسدت غير مدافعٍومن الشقاء تفردي بالسودد

قوله فاليوم أشار به إلى الزمان الحاضر المتصل بما بعده، غير محصورٍ بنهاية، ولا مضبوطٍ بذكر غاية، وهذا كما يقال: فلانٌ بالأمس كان يفعل كذا وهو اليوم رئيس بلدٍ. فذكر الأمس واليوم لاتصال الوقتين، وتقريب المدى بين الماضي منهما والحاضر. والوسيقة: الطريدة. ونبه بهذا الكلام على أن الدهر بعد جارٍ على عادته المستأنفة معهم في الأخذ منهم، والذهاب بهم. وقوله من رائحٍ عجلٍ وآخر مغتد بيان لذهاب الواحد منهم في إثر الآخر. والعجل: المستعجل. ويقال عجلٌ بكسر الجيم وعجلٌ، ومثله العجلان.

وقوله خلت الديار فسدت غير مدافعٍ يروى غير مسودٍ.

ومعنى خلت الديار مات الرؤساء الذين لكل واحد منهم بيتٌ ودارٌ ينسب إليه، ويتبجح به. وإذا رويت غير مدافعٍ يكون حالاً، كأنه سادهم ولا منازع له ولا متأبي عليه. وإذا رويت غير مسودٍ جاز أن يكون غير مفعولاً من سدت، فيكون مثل قول الآخر:

وضع الدهر عليهم بركهفأراه لم يغادر غير فل

فيكون المعنى: سدت من لا يصلح أن ينسب إلى السيادة في حال؛ لأن من استصلح لها، أو ذكر في عداد الرؤساء إذا عدوا، ماتوا وبادوا. وجاز أن يكون حالاً، ويكون المعنى سدت قبل أوان سيادتي، أي سدت ولم أسود بعد. وقوله ومن الشقاء تفردي بالسودد، يؤكد المعنى الذي ذكرناه أولاً في غير مسود، وإنما شقي بزعمه لأنه فجع بؤساء عشيرته، وفي ذاك ضعفه وتراجع رياسته.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.