من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال رجل من بني نصر بن قعينٍ
أبلغ قبائل جعفرٍ إن جئتهاما إن أحاول جعفر بن كلاب
أن الهوادة والمودة بينناخلقٌ كسحق اليمنة المنجاب
قوله ما إن أحاول جعفر بن كلابٍ يجري مجرى الصفة في شرح الاسم الذي أراده وإزالة اللبس عنه. والهوادة: الحرمة والذمام والصلح. والمهاودة: الموادعة. وتهودت إلى فلانٍ تهوداً، أي توسلت إليه بوسيلة؛ من قولهم: بيننا هوادةً؛ ومنه هود الرجل إذا مشى مشياً ساكنا. فيقول: أبلغ هؤلاء القوم إن زرتهم أن أسباب الصلح والمودة، والذمام والحرمة، قد خلقت بيني وبينهم، وتغيرت عما عهدت، فهي تزداد على مر الأيام دروساً وهموداً كخلق البرود المنشق، تزيده الأيام بلىً وانسحاقاً، فلا تماسك فيها، ولا رجاء لصلاحها وعودها إلى ما كانت. والثوب السحق وصف
بالمصدر، كأن البلى سحقه. واليمنة: ضربٌ من برود اليمن. والمنجاب: المنشق. وهذا الكلام وعيدٌ، ويشتمل على أن الطمع من رجوع الأمر إلى ما كان زائلٌ، وأن الفساد في ذات بينهم متظاهر، لا يقبل إصلاحاً، ولا يلقى مزاولوه فلاحا. وقوله أن الهوادة في موضع نصبٍ على أنه مفعول ثانٍ لأبلغ.
أذؤاب إني لم أهبك ولم أقمللبيع عند تحضر الأجلاب
يروى لم أهبك من الهبة، أي لم أسمح بدمك كما يتواهب الناس الشيء بينهم، وحكى ابن الأعرابي: وهبني الله فداءك. ومنه قولهم: هبه كذا، أي احسبه. ويروى: لم أهنك، أي لم أتغافل عن طلب دمك استهانةً بك. وقوله ولم أقم للبيع عند تحضر الأجلاب، يريد: إني لم أجد الدية، فكنت بائعاً لدمك كما يباع الجلب من الأموال، إذا سيقت إلى الحضر. ولم يرد بقوله لم أقم القيام الذي هو ضد الجلوس، إنما المراد لم أترشح ولم أتهيأ. على ذلك قوله ﷿: " إذا قمتم إلى الصلاة ".
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهمبعتيبة بن الحارث بن شهاب
بأشدهم كلباً على أعدائهموأعزهم فقداً على الأصحاب
الثل: الهدم؛ ويقال ثل عرش فلانٍ، إذا تضعضعت حاله واتضع عزه قال الأصمعي: وربما قيل ثل عرشه، وإذا أريد به القتل فليس إلا بضم العين. قال ذو الرمة:
وقد ثل عرشيه الحسام المذكر
والعرشان: لحمتان مستطيلتان من جانبي العنق، وفيهما الأخدعان. وقوله إن يقتلوك وقد كانوا قتلوه يريد إن تبجحوا بقتلك وصاروا يفرحون به، فقد أثرت في عزهم، وهدمت أساس مجدهم بما نلت من رئيسهم عتيبة ابن الحارث. وقوله بأشدهم كلباً جعله بدلاً من قوله بعتيبة، وقد أعاد حرف الجر فيه، وقد مضى مثله، وذكرنا الشاهد فيه من قوله تعالى: " وقال، الذين استكبروا من قومه للذين
استضعفوا لمن آمن منهم " ومعنى أشدهم كلباً أشدهم تأثيراً ونكايةً في الأعداء. ومن كلام الحسن: " إن الدنيا لما فتحت على أهلها كلبوا عليها أشد الكلب "، أي حرصوا أشد الحرص. ويقال: دهرٌ كلبٌ، أي ملحٌ على أهله بما يسوؤهم. وقولهم كلبٌ كلبٌ يأكل لحوم الناس فيأخذه منه شبه جنون. وقوله وأعزهم فقداً على الأصحاب يريد وأشدهم، ومنه استعز اللحم، إذا صلب؛ ويعز علي أن أرى كذا، أي حق واشتد. ويقولون: أتحبني؟ فيقال: لعز ما، أي لحق ما.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع