من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سويد المراثد الحارثي
لعمري لقد نادى بأرفع صوتهنعي سويدٍ أن فارسكم هوى
أجل صادقاً والقائل الفاعل الذيإذا قال قولاً أنبط الماء في الثرى
يروى: أن صاحبكم هوى، ومعنى صاحبكم رئيسكم، كما أن معنى فارسكم أفرسكم، ولهذا أقسم وعظم الحال في نعي الناعي حتى جعله ينادي بأرفع صوته فعل النادب المتحسر، ثم صدقه في ثنائه وخبره فقال: أجل صادقاً أي قلت صادقاً. وأجل هو لتحقيق الإخبار، كأنه لما قال: إن صاحبكم أو فارسكم سوى، قال: أجل أنت مصدقٌ، ثم زاده ثناءً فقال: وإن القائل الفاعل الذي إذا قال قولاً أنبط الماء في الثرى. وقوله " أن " صاحبكم، أراد بأن صاحبكم، فحذف الباء ووصل الفعل. وانتصب صادقاً على الحال، والعامل فيه ما دل عليه الكلام من معنى قلت. والقائل الفاعل عطفه على صاحبكم، ويجوز أن ترفعه، كأنه قال: وهو القائل الفاعل؛ والنصب أحسن وأجود، ومعنى أنبط الماء في الثرى: وصل القول بالفعل الجالب للخير، وقرب الغناء من العناء االلاحق في الأمر، وهو بعد ذلك مثلٌ لتحقيق قوله، وصلة النجاز بوعده. ومعنى أنبط الماء: أخرجه. ويقال نبط أيضاً، فإن قيل: هل يجوز أن يكون التصديق منه للناعي في قوله هوى لا غير لأنه هو الخبر، ويكون هذا كما قال دريد: أعبد الله ذلكم الردى جواباً لقوله أردت الخيل فارساً؟ قلت لا يجوز ذلك، بدلالة قوله والقائل الفاعل الذي، لأن هذا العطف لا يكون إلا على صاحبكم. فكأنه صدقه في الأمرين جميعا، وزاده من بعد ما زاده. وكذلك قول دريد، لا يمتنع أن يثبت الفروسية له مع الإرداء أيضاً في استثباته إياهم لما قالوا: أردت الخيل فارساً.
فتى قبلٌ لم تعبس السن وجههسوى خلسةٍ في الرأس كالبرق في الدجى
وصفه بأنه مقتبل الشباب لم يمسه أوائل الكبر، وأن السن لم تنقص رونق شبابه، ولم ترنق ماء بشرته، فهو طلق الوجه غير عابس. والعبوس: ظهور الغضب في الوجه. ويقال منه: يومٌ عبوسٌ، أي شديد. وقوله سوى خلسةٍ في الرأس استثناء منقطعٌ، ويعني أنه ظهر من الشيب في رأسه شعلةٌ، فهو كالبرق يلمع في سواد الليل. والخلسة: بياضٌ في سوادٍ، وقد أخلس رأسه، وشعرٌ خليس، ومنه قيل للمولود بين الأسود والبيضاء، والأبيض والسوداء: خلاسيٌ.
أشارت له الحرب العوان فجاءهايقعقع بالأقراب أول من أتى
ولم يجنها لكن جناها وليهفآسى وآداه فكان كمن جنى
قوله أشارت له الحرب العوان كأنه لم يصبر إلى أن دعي، ولكن حين اهتاجت الحرب جاءها، فكأن الحرب أشارت إليه. والعوان: الحرب التي قوتل فيها مرةً بعد أخرى، تشبيهاً بالعوان من النساء، وهي النصف. والفعل منه عونت وعانت. وقوله يقعقع بالأقراب يجوز أن يكون المعنى جاءها ولخواصره قعقعةٌ، أي صوتٌ، لشدة عدوه وحرصه. وقد يسمع من جوف العادي العجل وصدره النهيم والصوت الشديد، إذا استعجل في الإدراك ويجوز أن يكون القعقعة التي ذكرها من السلاح الذي كان عليه. وقوله أول من أتى يجوز أن يكون من نكرةً، كأنه قال: أول فارسٍ طلع، فيكون أتى صفةً له؛ ويجوز أن يكون معرفةً وأتى صلةً له، كأنه قال: أول الآتين، ويكون من موحد اللفظ مجموع المعنى. وانتصب أول على الحال في الوجهين جميعاً، والعامل فيه جاءها أو يقعقع. وقوله ولم يجنها لكن جناها وليه يحقق ما قلناه من أنه لم ينتظر الاستغاثة، ولكن لما طلعت له أمارات امتحان وليه آساه بنفسه، وأعداه على محنته، فكان كالجاني وإن لم يكن منه جنايةٌ، بذل اجتهاد وسرعة إنجاد. فالبيت الأول كما قال الآخر:
قومٌ إذا الشر أبدى ناجذبه لهمطاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا
والبيت الثاني كقول الآخر:
وإني لا أزال أخا حروبٍإذا لم أجن كنت مجن جان
وقوله آداه أثله أعداه، والألف الثانية همزة أبدلت من العين في الأصل، والمعنى أعانه. ويجوز أن يكون من الأداة، أي جعل له أداة الحرب وعدتها. وأنشد الأصمعي قول الأسود بن يعفر:
ما بعد زيدٍ في فتاةٍ فرقواقتلاً وسبياً بعد حسن تآد
وقال: معناه بعد أخذ الدهر أداته.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع