من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال مطيع بن إياسٍ، في يحيى بن زياد
يا أهل بكوا لقلبي القرحوللدموع السواكب السفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقدار لم تبتكر ولم ترح
لم يرض بتجرده لتلقي الأمر الذي دهمه، وبتفرده في الجزع للخطب الملم به حتى طلب من ذويه وعشيرته إسعاده في البكاء لما نابه فأقرح قلبه، وأسال دمعه. وإنما فعل ذلك لأنه يعد التعاون فيه والتشارك، أدل على تجليل الفجيعة له؛ والائتساء والتساوي، أجلب للتخفيف مما يه. ألا ترى أن الله تعالى يقول في أصحاب النار: " ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون "، فأيأسهم من أن يكون اشتراكهم في العذاب يسليهم أو يرجع بضربٍ من النفع عليهم، على العادة في دار الدنيا. وقوله قلبي القرح يقال: أقرحه الهم فقرح وهو قرحٌ قريحٌ. وقيل في القرح هو البثر إذا ترامى إلى فساد. وقوله السواكب جمع ساكبة، ووصف الدموع به على معنى ذات سكوبٍ، كما قيل عيشٌ ناصبٌ، أي ذو نصبٍ على النسبة. والسفح: جمع سفوح، والسكب والسفح يراد بهما الصب إلا أن السفح أبلغ من السكب، لذلك ارتقى من السواكب إليه. وحكى الخليل أن أهل المدينة يقولون: اسكب على يدي. ويقال رجل سفاحٌ للدماء، ولم يقل سكبٌ، لأن السكب لا يبلغ حد السفح.
وقوله راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقدار، يقول منبهاً على مساس الفاقة إلى بقائه، وغلبة اليأس من الاعتياض منه: راحوا ولو أطاعني القدر ما فجعنا بفراقه، فكان لا يبتكر لا غادياً ولا رائحاً. ومن روى بالتاء لم تبتكر جعل الفعل منسوباً إلى الأقدار يريد: لم تبتكر الأقدار ولم ترح به وأنا راض. وإنما قال بكوا لأن فعل يفيد التكثير من الفاعلين. وتكرير الفعل من واحدٍ حالاً بعد حال.
يا خير من يحسن البكاء له اليوم ومن كان أمس للمدح
قد ظفر الحزن بالسرور وقدأديل مكروهنا من الفرح
إنما ناداه لقوله قد ظفر الحزن بالسرور، كأنه يريد إعلامه تأثير المصاب فيهم، وأنهم قد استبدلوا بعده بالسرور حزناً دائماً، وبالفرح مكروهاً راتباً. ومن نكرة. وقوله يحسن البكاء له اليوم صفة له، فيقول: يا خير إنسان كان المدح فيما مضى من الزمان أولى به، والبكاء عليه في الحال والاستقبال أحق له، قد تأدى حالنا بعدك إلى أن أبدلنا القدر بالفرح ترحاً متصلاً، وبالمحبوب مكروهاً لازما.
ومعنى ظفر الحزن بالسرور وأديل مكروهنا، أن الغلب لهما حتى لا ثبات للسرور والفرح معهما، ولا انتياش منهما. يبين ذلك أنه قال وقد أديل مكروهنا أي جعل له على الفرح دولةٌ. وقوله من الفرح يريد من المفروح به، وهو المحبوب؛ لأنه كما طابق الحزن بالسرور في الصدر، طابق المكروه بالمحبوب في العجز. وهذا كما يقال: لا يسرني بهذا الأمر فرحٌ ومفروحٌ به ومفرحٌ. والوصف بالمصدر ووضعه موضع الفاعل والمفعول مشهورٌ. وقد خرج في هذا الكلام جواب سائلٍ يقول: ما الفرق بين السرور والفرح؟ وكيف أتي بهما وهما بمعنىً واحد؟ وقال مطيعٌ أيضاً:
قلت لحنانةٍ دلوحتسح من وابلٍ سحوح
أمي الضريح الذي أسميثم استهلي على الضريح
ليس من العدل أن تشحيعلى فتىً ليس بالشحيح
أراد أن يدعو للقبر بالسقيا فجعل بدل الدعاء سؤالاً وتمنياً، لأن طريقة الجميع واحدةٌ فقال: قلت لسابةٍ فيها رعدٌ، فكأنها كانت تحن برعدها إلى شيءٍ كحنين الناقة إلى وطنها أو ولدها. دلوح، أي ثقيلة. يقال: مر البعير يدلح بحمله، أي
يمشي متثاقلاً. والسحابة تدلح من كثرة مائها. تسح أي تصب. وابلٌ: مطرٌ ضخم القطر. سحوح: كثير الانصباب شديده: إن قيل: كيف جعل السح مرة للحنانة ومرة للوابل، والوابل يكون مصبوباً لا صاباً، وما فائدة من في قوله من وابلٍ سحوح فإن المراد به الكثرة، وهم يجعلون، إذا قصدوا إلى المبالغة، الفعل الواقع بالشيء له. ألا ترى أنهم يقولون: موتٌ مائتٌ، وشعرٌ شاعر. وهذا كما قالوا: سيلٌ مفعمٌ، والسيل لا يملأ إنما يملأ به الشيء. وإذا كان كذلك فالسح من الحنانة حقيقةٌ، والسح من الوابل مجاز، والمراد به ما ذكرنا. على أنه لا يمتنع أن يكون سح من باب فعلته ففعل؛ فقد حكى الخليل: سح المطر والدمع، وقال: هو شدة انصبابهما. ويقال من السح: فرسٌ مسحٌ، أي يصب العدو. وأرضٌ سحاحٌ، أي تسيل من مطرٍ يسير.
وقوله أمي الضريح الذي أسمي يريد الذي أنص عليها وأبينه بذكر اسم صاحبه، إذ لم يكن للضريح اسمٌ يتميز به عن القبور، فكأن بيان الكلام: أسمي صاحبه، فحذف المضاف وهو صاحبٌ، ثم أقام المضاف إليه مقامه، فجاء أسميه، ثم حذف المفعول من الصلة لطولها فبقى أسمىي ومعنى استهلي: صبي. ويقال هل السحاب بالمطر واستهل وانهل المطر انهلالاً. والأهاليل: الأمطار الشديدة الانصباب. ويجوز أن يكون لما وصف السحابة بالحنانة لرعدها كنى عن المطر بالاستهلال، لأنه كالحنين، وهو رفع الصوت بالتلبية وغيرها، فيكون الحنين والاستهلال للرعد والمطر كالسؤال والجواب. فأما قوله على الضريح فتكراره تنبيهٌ على عظم شأنه وفظاعة الفجع به. والتفخم بالتكرير يحصل كثيراً. والضريح: القبر بلا لحد، وهو فعيل بمعنى مفعول، لأنه يقال ضرحوا له ضريحاً. وقال الدريدي: سمي ضريحاً لأنه انضرح عن جالي القبر، أي اندفع فصار في وسطه. وقوله:
ليس من العدل أن تشحيعلى فتىً ليس بالشحيح
يريد: ليس من الإنصاف البخل بمائك وصوبك على فتىً كان لا يبخل بماله، وما يجتدى منه في جاهه وحاله. وهذا ظاهر. وفي طريقته قول أبي تمام:
وكيف احتمالي للغيوث صنيعةًبإسقائها قبراً وفي لحده البحر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع