تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال البراء بن ربعيٍ الفقعسي

أبعد بني أمي الذين تتابعواأرجي الحياة أم من الموت أجزع

قوله أبعد لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى معنى التوجع. والاستفهام يطلب الفعل. فيقول: أرجي الحياة أم أجزع من الموت بعد إخواني الذين انقرضوا وذهب والواحد في إثر الواحد فدرجوا. والمعنى: ماذا يجوز أن يكون مني: أيحسن الطمع في الحياة بعدهم، أم الجزع من الموت عقب الفجع بهم. وأم هذه يجوز أن يكون أو بدلها، لأنها المنقطعة. ألا ترى أن التي تكون عديلة الألف في العطف من شرطها أن يكون أحد الأمرين اللذين يسأل عنهما المستفهم قد وقع عنده إلا أنه لا يدري أيهما هو. يقول القائل: أرأيت زيداً أم عمراً، وهو لا يشك أن أحدهما رآه، إلا أنه لا يدري أيهما هو. والذي في البيت ليس كذلك فتأمله.

ثمانيةٌ كانوا ذؤابة قومهمبهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع
أولئك إهوان الصفاء رزيتهموما الكف إلا إصبعٌ ثم إصبع

ذكر أن إخوانه كانوا ثمانيةً، وأنهم كانوا رؤساء قومهم، وأنه بعزهم ومكانهم من قبيلتهم كان يدفع عن نفسه ما يشاء، ويقبل لها ما يشاء. وفي قوله كنت أعطي ما أشاء حذفٌ، ولو أتي على حده لكان: كنت أعطي ما أشاء إعطاءه وأمنع ما أشاء

منعه. والمفاعيل تحذف كثيراً لأن القرائن تدل عليها. وإنما قال ذؤابة قومهم ولم يقل ذوائب قومهم، لأنه عدهم شيئاً واحداً، لتناصرهم واتفاق أهوائهم. والذوابة: اسمٌ في الأصل، وقد وصف به، وكما قيل هو ذؤابة قومه، وهم ذوائب قومه، قالوا في الضد منه: هو ذنابة قومه، وهم ذنائب قومه. وقوله أولئك إخوان الصفاء نبه به على زوال الخلاف وسقوط المراء من بينهم، وعلى خلوص نية كل واحدٍ منهم مع صاحبه، حتى كان ما يجمعهم تصافياً لا كدرٍ، وتوافقاً بلا حسدٍ، وأنهم كانوا في التعاون والتظاهر كالكف الواحدة، فكل واحدٍ منهم كالإصبع من تلك الكف، فلما تخرموا ومات الواحد بعد الواحد، صارت الكف تتراجع بنقصان أصابعها حتى صارت لا تغني في البطش بها، ولا تعمل عند القبض والبسط عملها.

لعمرك إني بالخليل الذي لهعلي دلالٌ واجبٌ لمفجع
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
وإني بالمولى الذي ليس نافعيولا ضائري فقدانه لممتع
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

أقسم بأنه مفجعٌ بمن تعز حياته ويكرم مقامه، حتى يرى لنفسه تدللاً واجباً عليه، وتمكنا مكيناً منه؛ وممتعٌ بمن لا رغبة له في العيش معه، فليس في بقائه نفعٌ له ولا في ذهابه ضررٌ عليه، وكان الواجب أن يقول: ليس نافعي حياته أو وجدانه، حتى يكون في مقابلة قوله ولا ضائري فقدانه إلا أنه لما ضاق نطاق البيت عنه لم يبال بالاقتصار على نافعي، إذ كان المراد بها مفهوماً، وإذ كان ضميره في ليس يقوم مقام حياته لو أتي به. وسمى من اشتدت فاقته إلى حياته خليلاً لاختصاص مكانه من قلبه، وعلى عادتهم في تسمية المعتمد عليه خليلاً، حتى سموا الفرس والسيف خليلاً. قال يعني الفرس:

وأتقيبهاديه إني للخيل وصول

وقال الآخر في السيف:

ما سد كفي خليلها

وسمى القبيل الثاني مولى إشارةً إلى أبناء عمه الذين لا غناء عندهم، ولا انتفاع له بمكانهم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٧)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.