تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال خلف بن خليفة

أعاتب نفسي إن تبسمت خالياًوقد يضحك الموتور وهو حزين
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة

انتصب خالياً على الحال من أعاتب. وأن تبسمت بفتح الهمزة معناه لأن تبسمت، ومن أجل تبسمى. ولك أن تكسر الهمزة من إن فيكون شرطاً ويكون جوابه ما دل عليه أعاتب نفسي. والمعنى: إذا خلوت بنفسي أبسط العتب عليها لما يتفق منها في الملأ من متابعة الناس على تصرفهم في المؤانسة والمضاحكة، وطلب موافقتهم عند المفاكهة والمحادثة. هذا وليس ذاك لداعية سرور، ولا لباعثة ابتهاجٍ وحبورٍ. ثم قال وقد يضحك الموتور وهو حزين يريد أن الموتور وإن تناهى حزنه، واشتد قلقه وبثه، فقد يضحك قطعاً لشماتة شامتٍ، وتجلداً مع عدوٍ مكافح، أو جرياً على عادةٍ، أو استمراراً عفي إقامة موافقةٍ، ولا يعد ذلك منه إخلالاً بواجب الهلع، ولا إغفالاُ للوازم الجزع، والضحك أبلغ من التبسم، فكذلك أنا وإن تبسمت لضربٍ من تلك الضروب، فطلب الوتر والقيام بسنة الحزن نصب عيني، وأهم الأمور إلي.

وبالدير أشجاني وكم من شجٍ لهدوين المصلى بالبقيع شجون
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة
ربيً حولها أمثالها إن أتيتهاقرينك أشجاناً وهن سكون
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة
كذا الهجر أنا لم يضح لك أمرناولم يأتنا عما لديك يقين
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة

الأشجان: جمع الشجن، وهو الحزن، وفي أدنى العدد، والشجون جمعه الكثير. وقوله ربي حولها أمثالها موضعه رفع على أنه بدل من قوله شجون. ويعنى بها القبور المسنمة. وحولها أمثالها صفة للربى. وما أشار إليه من المماثلة يعني في

الصورة والغناء جميعاً. وقد ألم في هذا بقول الآخر:

فقلت له إن الشجا يبعث الشجافدعني فهذا كله قبر مالك
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

وإنما يريد أن قبور أحبته بالدير وقبور أحبة من يأتسي بهم من المفجوعين ببقيع الغرقد، لأن أولئك ماتوا حتف أنفهم وفي أماكنهم، فدفنوا في مقابرهم، وأصحاب الشاعر قتلوا وتغربوا فدفنوا ثم. والكلام توجعٌ وتلهف. وقوله دوين المصلى تحديدٌ للمقبرة، وتقريبٌ لها من المصلى، لذلك قال دوين فصغر دون. وعلى ذلك تصغيرهم لقبيلٍ وبعيدٍ وفويق. وقوله إن أتيتها قرينك أشجانا مثل قول الآخر:

أتيناه زواراً فأمجدنا قرىمن البث والداء الدخيل المخامر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

وأضاف إليه معنى البيت الآخر بقوله " هن سكون " وهو " وأسمعنا بالصمت رجع جوابه ". وقوله كذا الهجر يجوز أن يشير بذا إلى ما قدمه، ويجوز أن يكون وضع حرف الإشارة والمشار إليه يجيء من بعد على طريق التفسير له، والترجمة منه. والمراد ما بيننا من استعجام الأخبار، وذهاب لالتقاء والاجتماع، على انصال التزاور إذا فعل، أشبه شيءٍ بالهجران؛ وذلك ما لم يدخل بيننا في شيءٍ من الأوقات والأحوال. وهذا تحسرٌ آخر جديد، وتلهف شديد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٩)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.