من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال آخر (١٩)
لنعم الفتى أضحى بأكناف حائلٍغداة الوغى أكل الردينية السمر
لعمري لقد أرديت غير مزلجٍولا مغلق باب السماحة بالعذر
سأبكيك لا مستبقياً فيض عبرةٍولا طالباً بالصبر عاقبة الصبر
المحمود محذوفٌ، كأنه قال: نعم الفتى فتى أضحى. وانتصب أكل على أنه خبر أضحى، وبأكناف حائلٍ ظرف مكانٍ. وغداة الوغى ظرف زمانٍ، وتعلقا جميعاً بأضحى. ويجوز أن يجعل بأكناف حائلٍ الخبر، وينتصب أكل على الحال. ولا يمتنع أن ينصب غداة بما دل عليه بأكناف حائلٍ من الفعل المضمر. ويجوز أن يكون العامل فيه أكل، لأنه ليس بمصدر فلا يعمل الفعل المضمر. ويجوز أن يكون العامل فيه أكل، لأنه ليس بمصدر فلا يعمل ما في صلته فيما قبله. والأكل: الطعم، وإضافته إلى الردينية لم تفد فيه اختصاصاً. ألا ترى أن فائدته وهو مضافٌ مثل فائدته لو نون فقيل أكلاً للردينية. ومثله قيد الأوابد وما أشبهه. ومعنى البيت: محمودٌ في الفتيان فتى حصل بجانب هذا الوادي غداة الحرب طعماً للردينية السمر. وأصل الوغى الجلبة والصوت. واللام من لنعم جواب قسمٍ مضمر.
وقوله لعمري لقد أرديت غير مزلجٍ أقبل عليه يخاطبه بعد أن كان يخبر عنه، على عادتهم في افتنانهم في الكلام، وكأن الخطاب أدل على التحسر والتوجع من الإخبار، ولذلك عدل إليه. واللام في لعمري لام الابتداء. وخبر المبتدأ محذوف، كأنه قال: لعمري قسمي. واللام من لقد جواب اليمين، والمعنى: وبقائي لقد أهلكت غير ضعيفٍ ولا جبانٍ وقت المدافعة والممانعة فتضيع محفوظاً، ولا متشدداً على تزاحم المحتدين والسؤال، بإقامة المعاذير والعلات، فتغلق للسماحة باباً مفتوحا.
وقوله سأبكيك لا مسبقياً فيض عبرةٍ يريد أن بكاءه يتصل إلى أن يستنفد مواد دمعه، وأنه لا يطلب بتكلف الصبر ما يتعقبه من التسلي. فقوله بالصبر أراد بتكلف الصبر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وذاك أن الإنسان إذا تصبر فيما يدهمه مدةً، وتماسك به برهةً، أداه مرور الأوقات إلى أن يتسلى؛ فعاقبة الصبر هو التسلي، فإذا تسلى عاد طمعه فيما يرجى، وحذره مما يخشى، إلى ما كان أو أشد، وذلك حال من لا هم له.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع