من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي
إبى لأرباب القبور لغابطٌلسكني سعيدٍ بين أهل المقابر
وإني لمفجوعٌ به إذ تكاثرتعداتي ولم أهتف سواه بناصر
قوله سكني أن تسكن إنساناً منزلاً بلا كراء، والمنزل سكنٌ ومسكن؛ وهو مصدر كعذرى وبشرى. ومعنى البيت: إني أغبط الموتى لحصول سعيدٍ فيما بينهم، فإن الجمال الذي كان للأحياء بمقامه فيهم كأنه انتقل إلى الأموات عنهم؛ وإنى لمتبينٌ تأثير الفجع به، وشدة فاقتي إليه، إذا تزاحم الأعداءٌ وتبالغوا في قصدي، ولا يكون لي من أستنصره عليهم غيره. وقوله سواه في موضع النصب على أنه استثناء مقدمٌ. ويقال هتف هتفاُ وهتافاً. والهتف: الصوت الشديد، وقوسٌ هتفي، والحمام تهتف. وهتف به وصاح به، إذا دعاه.
فكنت كمغلوبٍ على نصل سيفهوقد حز فيه نصل حران ثائر
النصل: اسم حديدة السيف، لذلك صلح إضافته إلى سيفه وإن كان قد يستعمل استعمال السيف. ألا ترى أنه قال: وقد حز فيه نصل حران. يقول: كان عدنى على الدهر وسلاحي على أعدائي، فلما فقدته والأعداء بالمرصاد لي، صرت كان غلب على سيفه وسيف عدوه قد خرج عليه كطالب ثأرٍ وكبده حرى، لشدة عداوته واستحكام غيظه يعمل فيه، وينفذ في الضريبة منه، والمراد: كنت كمن غلب على عدته أشد ما كان حاجةً إليها، وحين تمكن العدو وهو تام الآلة، مكين القوى في المنازلة.
أتيناه زواراً فأمجدنا قرىمن البث والداء الدخيل المخامر
وأبنا بزرعٍ قد نما في صدورنامن الوجد يسقى بالدموع البوادر
يقول: جئناه زائرين فوسع قراناً من الحزن والداء المتمكن من القلب، المخامر له. والمخامر مأخوذ من الخمر، وهو ما واراك من الشجر وغيره. وإذا كان كذلك فهو أبلغ من قوله الدخيل، لأنه يفيد في الموصوف فائدةً أكثر من الدخول، إذ كان
المراد به دبيبه في أثناء القلب وأطباقه، وذهابه في أجزائه وأضعافه، وليس في الدخيل هذا المعنى. ويقال أمجدت الدابة العلف، إذا أكثرت له.
وقوله وأبنا بزرعٍ قد نما في صدورنا نبه بهذا الكلام على أن حزنه يزيد على مر الأيام، فهو كالزرع النامي، وأن سقياه الدموع. ومعنى البوادر المستبقة لكثرتها وغلبتها. وأصل الزرع الإنبات. والزرعة: البذر. لذلك قال الله ﷿: " أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ". وازدرع، إذا زرع أو أمر به لنفسه خاصةً. ويقال: زرع لفلانٍ بعد شقاءٍ، إذا أصاب مالاً بعد الحاجة. فإن قيل: كيف قال أمجدنا قرى والميت لا يعمل شيئاً؟ قلت: لما جعله مزوراً أقام له قرى لزائره على عادته وهو حيٌ. وهذا المعنى من كلامه أبين وأظهر من كلام عبدة بن الطبيب لما قال:
إذا زار عن شحطٍ بلادك سلما
ولما حضرنا لاقتسام تراثهأصبنا عظيمات اللهى والمآثر
وأسمعنا بالصمت رجع جوابهفأبلغ به من ناطقٍ لم يحاور
اللهى: أفضل العطايا وأجزلها، والواحدة لهيةٌ ولهوةٌ؛ ومه اللهوة التي تلقى في الرحى. يقول: لما اجتمعنا لنقتسم تركته فيما بيننا لم نجد له إلا ما كسبه عطاياه من المآثر الكريمة. فأضاف عظيمات إلى اللهى والمآثر جميعاً، وهي جمع مأثرةٍ، وهي ما يؤثر من المحامد والمعالي ويذكر. ويجوز أن يريد بالعظيمات المفاخر التي ادخرها له اللهى، ويكون اللهى حينئذ الأموال الكثيرة. ويجوز أن يكون المراد بالمآثر الأعلاق الثمينة، والنفائس الكريمة، التي فرقها في حياته، وآثر غيره بها. وقوله وأسمعنا بالصمت رجع جوابه أي مرجوع جوابه، كما قال غيره: " اسأل الأرض، أين من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؛ فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً "؛ وكما قال الآخر:
وعظتك أجداثٌ صمت
ومثله:
وكانت في حياتك لي عظاتٌفأنت اليوم أوعظ منك حياً
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع